معركة الوعي وصناعة الجهل - ياسر عبدالعزيز

أصبح من المعلوم من الثورة بالضرورة أن صناعة جيل واع هو المحرك الحقيقي للثورة القادمة. وتقاس في رأيي الموجات الثورية وقوتها بأمرين: الأول وهو التضييق الاقتصادي والأمني والثاني هو مدى وعي الشعب بالأمور اليومية وفهم واجبات المرحلة.

لذلك يعمل أصحاب المصالح من قيادات الثورة المضادة على تغييب وعي الناس وخلط الأوراق وجعل الطريق أكثر ضبابية مع إعاقة الفرص أمام صناعة قيادة جديدة تقود المشهد الثوري المحتمل.

فلا تعجب من إعلام مضلل يأخذ الشعب إلى مربعات الميتافيزيقا لصناعة عقلية مشوهة لا يمكن أن تدرك واقعها ولا ترسم خريطة طريقها، ويستوي في النهاية لديها الغثُّ والسمين.

نعم صديقي إن الجهل أصبح صناعة؛ بل دعنا نسميه التجهيل الذي أصبح حرفة بدأت مع بدايات التسعينات من القرن الماضي، ولم يكن هذا التاريخ ولا الحادثة التي سأذكرها هي المؤرخ لها ببداية تجهيل الشعوب.

فعلى مر الأزمنة، تصارع السلاطين والساسة علىحق امتلاك المعرفة ومصادر المعلومة، ولا يقتصر الأمر على السلطان والسياسي وحسب وإنما على القيادي في جماعة أو حزب، فالمعرفة قوّة وسلاح، بشكلٍ يوازي المال والعتاد العسكري.

بدأ علم الجهل في التسعينات من القرن الماضي على يد روبرت بروكتور، وتحديدا عندما انكشفت وثيقة داخلية من أرشيف إحدى شركات السجائر العالمية، تبين أن أبرز استراتيجية للدعاية واستمرار تفوق مبيعات هذه الشركة هو نشر الجهل، وذلك عن طريق إثارة الشكوك في البحوث العلمية التي تربط التدخين بالسرطان .ومن حينها انطلق لوبي شركات السجائر في أمريكا لرعاية أبحاث علمية مزيفة هدفها تحسين صورة التبغ اجتماعيا ونشر الجهل حول مخاطره.

والجهل هنا ليس انعدام المعرفة فقط، بل هو منتجيتم صناعته وتوزيعه لأهداف معينة، ويعمل الإعلام على توزيع هذا المنتج بين كل طوائف المجتمع كل بما يناسبه. ونضرب مثال بحالتين نجحت فيه صناعة الجهل في أمريكاواستطاعت تلك الصناعة الزجَّ بأمريكا في الحرب العالمية سابقا وغزو العراق لاحقا، أما المثال الثاني في مصر حيث استطاعت تلك الصناعة من جعل الثوار أداة هدم لثورتهم.

وتَتَّخِذ هذه الصناعة من بث الخوف لدى الآخرين،وإثارة الشكوك، وصناعة الحيرةأدواتًا لتنفيذ أهدافها، وأترك لخيالك صديقي تنزيل هذه الثلاث على انقلاب الثالث من يوليو.

وعلى النقيض فإن المعرفة من الأهمية بمكان يعرفه العامة، حتى أن وزارة الدفاع الأمريكية تتخذ من سبل الإدارة ما يسمى بإدارة الفهم (Perception Management) يستلزم العمل بهذا النوع من الإدارة فهم كامل بعلم النفس والسلوك و الإدراك.

ولأن كثرة المعلومات المتضاربة في زمن جعلت وسائل الاتصال سلاحًا ذا حدّين جعل اتخاذ القرار المناسب أمرًا غاية في الصعوبة، مع الوضع في الاعتبار أن خصمك قد يكون أحد العاملين على تسريب هذه المعلومة ليوقعك في حيرة ليزيد العبء النفسي والذهني على متخذ القرار، وهو ما يدفع الأخير إلى قبول ما لا ينبغي القبول به، طمعا في النجاة من هذه الدوامة، وهذه تحديدا هي الغاية. 

وأخيرا فإن الصمود أمام كل هذه القوى والصناعات يتطلب العمل وفق أسس علمية والاستعانة بأصحاب التخصصات، ولعله سيكون من قصر النظر وفرط السذاجة لو اعتقدنا أن علم الجهل وإدارة الفهم واستخدام الإعلام كوسيلة لما خطط بهما محصورة على الغرب، بل هي أقرب إلينا من أي شيء آخر. 

لذا فأصبح لزاما علينا أن نتحرك وفق منظومة واعية إن نحن أردنا أن ندحر الانقلاب ونبني مصر المأمولة.

 





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه