بطلتي أسبيرانزا - منتصر مرعي

صعدت إلى الطابق الخامس في فندق أمبوس مونذوس القديم وسط هافانا، ووصلت إلى الغرفة رقم 511. طرقت الباب وخرجت لي سيدة أربعينية نضرة، عيونها زرقاء وملامحها لاتينية بامتياز. طلبت مني بلباقة الانتظار قليلا ريثما تنتهي من الضيف معها في الداخل فليس بوسعها استقبال عدد كبير في غرفة احدة.

من معالم هافانا التي يجب المرور بها أطلال الأديب العالمي إرنيست همنغواى. ولأن الضد يظهر حسنه الضد، كان وجود أديب من أمريكا الرأسمالية في كوبا الاشتراكية علامة فارقة في هذا البلد الصغير، خاصة وأن همنغواى أدرك الثورة على حليف أمريكا "باتيستا" وجمعه بالرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو لقاء حميم، تهامس الرجلان، ودار حديث عابر لا يعرف سره إلى اليوم أحد. 


حاز همنغواي على جائزة نوبل للآداب عن روايته ذائعة الصيت "العجوز والبحر" وتحولت إلى فيلم سينمائي يحمل ذات الاسم، أدى فيه دورة البطولة الممثل العالمي الراحل أنتوني كوين الذي نعرفه في العالم العربي بشخصية عمر المختار في فيلم أسد الصحراء، والصحابي حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- في فيلم الرسالة، والفيلمان للمخرج الراحل مصطفى العقاد. 

لمن لا يعرف، كان همنغواى صحفيا أيضا غطى الحرب الأهلية في إسبانيا وحاز على جائزة بوليتزر العريقة. عاش حياة مضطربة انتهت بانتحاره وارتبط اسمه بكوبا أكثر من وطنه الأم. ويمكن للزائر المرور على الأماكن التي توثق سيرته وحياته: منزله في أحد ضواحي العاصمة، ومقهى فلوريدتّا وسط هافانا القديمة اعتاد على ارتياده والجلوس فيه، وغرفته في فندق أمبوس مونذوس حيث كان يقيم، يكتب رواياته ويختلي بعشيقاته. 

فتحت لي المرشدة السياحية باب غرفة الفندق، فخرجت مجموعة صغيرة من السائحين، وأشارت لي بالدخول. كان معي في الانتظار أستاذ جامعي ألماني أو هولندي، لم أكن متأكدا. بدأت المرشدة السياحية في سرد سيرة الأديب همنغواى، ووصف زوايا غرفة الفندق التي شهدت ولادة أبزر أعماله. كانت تتحدث بلهجة إنغليزية معقولة وبأسلوب هادي لكنه معبأ بعشق همنغواى.

هنا آلة الكتابة التي طرقت حروف رواياته، وهنا بعض مؤلفاته، وهناك قصاصات الصحف التي نشرت خبر فوزه بجائزة نوبل. أما في تلك الزاوية فسريره الصغير حيث كان يأوي إلى عالمه. وبينما كانت تسترسل في الحديث، كان الأستاذ الجامعي يقاطعها من حين لآخر بفظاظة ويقول: هذا غير صحيح. 

كان يحاول الاستعراض في ذكر ما يقول إنها حقائق بينما تواصل المرشدة حديثها بلباقة. وللأمانة، كنت أسيرا لشغف هذه السيدة، وتدفقها الصادق في الكلام. كرست حياتها لهذا الأديب، درست حياته في الجامعة وتخصصت في الأدب. التقت بأفراد أسرته، والتهمت كل ما يحيط بتاريخه. 

كنت أحاول أن لا يشتت الأستاذ الفظ انتباهي بينما أفكر في السيدة الجميلة. بسيطة كأي مواطن كوبي عاشت على أطراف مجد روائي مشهور. تبقى مغمورة، مقيمة بين أربعة جدران، بينما صيته جاب العالم حيا وميتا. بالنسبة لي كانت هذه السيدة هي بطلتي وليس همنغواي. وللأمانة أيضا لم أكن معجبا به، ولم أقتن روايته "العجوز والبحر" إلا مؤخرا.

أملت علي ضرورة السائح والوسط الأدبي الذي أتطفل عليه زيارة هذا المكان. كنت أتلكأ في مغادرة الغرفة رغم انتهاء الوقت المحدد. ثمة سائحون ينتظرون دورهم في الخارج. وكلما حاولت التعرف على اسمها، خانتني حماقتي وخجلي. تذرعت بتأمل مقتنيات الكاتب، وحاولت التشبث بالمكان لكن حان وقت المغادرة. قررت على الفور كتابة قصة، ليس عن همنغواى فغوغل حافل بسيرته، وإنما عن بطلتي. شكرتها بحرارة وعزمت على العودة مرة أخرى علني أتعرف إلى اسمها، وأجد ما أستعين به في كتابة يومياتي.

في اليوم الأخير في هافانا عدت إلى ذات الفندق التزاما بوعد قطعته على نفسي. صعدت إلى الغرفة 511 وتوقفت طويلا. لم أجرؤ على طرق الباب، ترددت كثيرا، اعترفت بأنني صحفي جبان، وغادرت المكان. عندما عدت للدوحة عبثا حاولت البحث في صفحات الفيسبوك كي أجدها. أجريت اتصالات عديدة عبر أصدقاء في كوبا، وأخيرا عرفت اسمها، ويعني بالإسبانية أمل: أسبيرانزا.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه