اللغة تبحث عن عاشق -عمرو محفوظ-

اللغة هي سيرة الأولين وحياة الماضين ، لغز كل حضارة وقوامها وعمادها ، إذا استقامت الشعوب فاستقامت الحضارة وإستقامت اللغة أيضاً ، وإذا إنحرفت الشعوب وخرجت عن مسارها إنحرفت اللغة كفعل الحضارة ، مجد تحمله بداخلها وهوية تُطبع على كل ساكنيها ، لها عبق يفوح منها يميزها عن كل ما حولها ، عبق ٌ متجددٌ فيها ما دامت حية مادام ماء الأصالة يسري فيها ،، لكن كل هذا سرعان ما يختفي إذا كانت لغة محتل . 
 
 
لغة المحتل سمٌ يسري يفتت كل ما هو أصيل ويضفي عليها بصماته القاتلة ، وإما إجباراً من المحتل أو إجهالاً من الشعوب أو كلاهما معاً تنتشر كسرطان خبيث تشوه ملامح الماضي وتهدد بمستقبل مشوب الهيئة ، في ميدان المعركة نجد جندي يأسر الأخر أو طائرة تأسر الأخرى ، أما في حرب الأفكار فنجد لغة تحتل الأخرى .
 
حكى التاريخ لنا كثيراً أن المستعمر في كل بلدة حاول تغيير لغة أهلها إلى لغته ، أراد أن يمحوا من ذاكرتهم كل شيء يربطهم يداً إلى يد ، أراد إدخالهم في دوامة البحث عن ماهيتهم ومن ثم الولوج إلى دهاليز النسيان حيث يستحيل الخروج منها مرة أخرى ، حكى التاريخ لنا عن بريطانيا عندما دخلت الهند ومصر أقرت الإنجليزية لغة رسمية لتسهيل التقارب بين المستعمر والشعوب وتفتيت الوحدة الوطنية ، هنا أستذكر مقولة الزعيم الفلبيني خوسيه ريزال عندما رأى الشعب يتجه إلى الأسبانية ويستسيغها "إن الرجل الذي لا يحب لغته الأم أسوأ من حيوان أو سمكة نتنة" .
 
الأندلس جرح غائر جف برصاصته ولم يلتأم بعد ، ستة قرون تفصلنا عن سقوط غرناطة أخر ممالك الأندلس لولا خذلان أهل المغرب وليبيا ومصر وتجاهلهم لإستغاثات المسلمين هناك ، دخل القشتاليين غرناطة العرب فمحوا كل ما هو عربي ، أحرقوا الكتب والمصاحف وقتلوا العلماء حولوا المساجد إلى كنائس حتى الحمامات المبنية على الطريقة العربية أغلقوها أيضاً ، فرضوا القشتالية -الأسبانية حالياً- لغة رسمية ومن يتحدث بغيرها نكلت به محاكم التفتيش ، أعلن الناس النصرانية علناً والإسلام في قلوبهم سراً فكان القابض على دينه كالقابض على جمر . 
 
اللغة تقف عائق أمام تواصل الشعوب ، وإتخاذ لغة ثانية للتواصل أمر مرغوب ، لكن طغيانها على حساب اللغة الأم مرفوض تماماً وتلك بوادر لإنتكاسة كبرى للغة ، فتختلط اللغة بالأخرى ، فلا يكاد المرء منا يميز بين ماهو تابعٌ لها وما هو دخيل عليها  ، العامية يستخدمها جموع العالم ولكل لغة عاميتها الخاصة ، لكن دخول العامية إلى ساحة الأدب يهدم الأدب ويهدم لغتنا ، يدفعنا للنداء بالمحافظة على العربية ، العربية لغة القرآن ، لغة وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ، لغة إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ، العربية لغة عمرو ابن كلثوم وابن الرومي وحسان ابن ثابت والمتنبي ، العربية لغة ابي فراس الحمداني و جبران خليل جبران ونجيب محفوظ والرافعي العربية لغة العقاد والبارودي وتوفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس ، أنقذوا الفصحى من هوس العامية وهواجسها ، فلتبقى العزة والأصالة للفصحى ولتذهب العامية إلى الجحيم . 
 




هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه