بعد هدنة مؤقتة.. هذه أسباب توتر العلاقات التركية الألمانية

مساء أمس السبت، وصف رئيس الوزراء التركي بن علي يلديريم، المكالمة الهاتفية التي أجراها مع المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل، بالمثمرة، وقال في حديث صحفي: "حديثنا كان جيدًا واتسم بالطابع المثمر"، وذكر أن وزيري خارجية الدولتين سيلتقيان الأسبوع المقبل.

واشتعلت الأزمة بين ألمانيا وتركيا على خلفية إلغاء ألمانيا فعالية انتخابية كان سيحضرها وزير العدل التركي، بكر بوزداج، الاستياء الألماني جاء عقِب اعتقال السلطات التركية صحفيًا ألمانيا من أصل تركي، واتهام ألمانيا مؤخرًا أئمة أتراك بالتجسس لصالح بلادهم.

وفي هذا الصدد، استدعت تركيا السفير الألماني لديها احتجاجًا على إلغاء بلاده الفعالية الانتخابية، في حين أكد وزير الخارجية الألماني أن العلاقات بين البلدين يشوبها "التوتر"، وأوضحت قناة "سي إن إن ترك" أن الخطوة التركية جاءت بعد أن إلغاء الفعالية الانتخابية.

الصحفي الألماني

ويتهم الأتراك الصحفي المذكور بالضلوع في أنشطة إرهابية وبأنه عميل "للمخابرات الألمانية"، ويوجل (43 عاما) يحمل الجنسيتين التركية والألمانية، ولاحقته الشرطة بسبب نشره مقالات حول قرصنة البريد الإلكتروني لوزير الطاقة التركي صهر الرئيس التركي أردوغان.

وأثار اعتقال الصحفي موجة غضب عامة في ألمانيا وتبادل المسؤولون في الدولتين الاتهامات الحادة، فعلى سبيل المثال، وصفت المستشارة الألمانية، اعتقال السلطات التركية للصحفي ، بأنه أمر "مرير ومخيب للآمال"، وقالت ميركل، إن هذا الإجراء "قاس على نحو غير ملائم لأن دينيز يوجل قدم نفسه إلى العدالة ووضع نفسه في خدمة التحقيق".

وشددت على الأهمية الكبيرة لحرية الصحافة بالنسبة إلى كل مجتمع ديموقراطي، معبرة عن أملها في أن يستعيد الصحفي حريته قريبا، وطالب 170 نائبًا في برلمان ألمانيا، يوم الجمعة الماضي، في رسالة مفتوحة، بالإفراج "سريعا" عن يوجل، وهاجم أردوغان ألمانيا متهمًا إياها بدعم الإرهاب، داعيًا برلين إلى الكف عن تسترها على الإرهابيين.

هجوم ألماني

وصعدت معظم الصحف الألمانية مؤخرا انتقاداتها للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووصفت ملاحقة حكومته وعزلها لأعداد كبيرة من المتورطين في محاولة الانقلاب الفاشلة من وظائفهم بأنها "مهزلة"، وصنفت أردوغان في مصاف "أسوأ الحكام المستبدين".

واعتبرت أن فشل تجربة "حزب العدالة والتنمية" يمثل أزمة كبيرة للديمقراطية تتجاوز تركيا إلى الدول الإسلامية، وتطرقت أخرى إلى إجراءات تعتزم النمسا المطالبة بتعميمها على الدول الأوروبية للتضييق على أنشطة مؤيدين للرئيس التركي فوق أراضيها.

وتحت عنوان "بضربة واحدة"، قال راينهاردت موللر، بصحيفة فرانكفورتر ألغماينة، إن "محاكمة جنرالات مشاركين بانقلاب بتهمة الخيانة العظمى أمر طبيعي لا يقتصر على تركيا، لكن إعفاء الرئيس أردوغان لموظفين عموميين بالجملة فجأة -حتى لو كان ضمن إجراءات مواجهة محاولة انقلابية- يعتبر مهزلة في دولة قانون".

وأوضح "موللر" أن أي دولة من حقها إعفاء جنود جيشها أو شرطتها وقادتها التنفيذين المتورطين في انقلاب من الخدمة، غير أنه اعتبر أن عملية الطرد والملاحقة الجماعية لقضاة غير محببين لدى النظام يظهر عدم تفهم الرئيس التركي لمبدأ الفصل بين السلطات.

واعتبر الكاتب أن فصل آلاف الموظفين بوزارة التربية والمطالبة بإقالة 1500 من رؤساء الجامعات والمعاهد العليا "يدل على عدم وجود علاقة لأردوغان مثله مثل أسوأ الديكتاتوريين- بحرية البحث العلمي".

عداء أوروبي

الباحث المختص بالشأن التركي وعضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، الدكتور سعيد الحاج، قال إن ثمة ميزتان عامتان تحكمان العلاقات التركية -الألمانية على مدى فترة زمنية طويلة، وهما التعاون الاقتصادي والخلافات السياسية.

وأضاف: "فألمانيا هي الشريك التجاري الأول مع تركيا بحجم تبادل يناهز 35 مليار دولار، في المقابل، هي من أكثر الدول معارضة -تقليديًا- لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي لأسباب تتنوع بين الاقتصادي والثقافي/الديني والسياسي".

الاستثناء الوحيد لهذا المسار كان ملف اللاجئين الذي أقض مضاجع أوروبا وخصوصًا ألمانيا وجعلها أكثر حرصًا على التعاون مع تركيا، فأبرمت معها -عبر الاتحاد الأوروبي -اتفاق الإعادة في 18 مارس 2016 بحيث تستقبل تركيا ما تعيده لها دول الاتحاد من مهاجرين "غير شرعيين" مقابل استقبالهم منها مهاجرين مسجلين على الكشوف الأوروبية.

لم يطبق ذلك الاتفاق كما يجب في جزئية تبادل اللاجئين كما أن امتناع الاتحاد الأوروبي عن تحرير التأشيرة متذرعًا بعدم إيفاء تركيا بالشروط المطلوبة منها (سيما تعديل قانون الإرهاب) أعاد العلاقات سيرتها الأولى، ومما فاقم من التوتر بين أنقرة وبرلين أن البرلمان الألماني صادق في يونيو الماضي على قانون رمزي يعتبر أحداث عام 1915 "إبادة جماعية" بحق الأرمن على يد الدولة العثمانية.

المحاولة الانقلابية في يوليو الفائت وموقف الاتحاد الأوروبي منه ومن حالة الطوارئ التي أعلنت في تركيا ثم توقيف عدد من قيادات حزب الشعوب الديمقراطي (القومي الكردي) كلها عوامل ساهمت في تعميق الهوة بين تركيا وشركائها الأوروبيين.

أكثر من ذلك فقد استقبلت ألمانيا الصحافي التركي البارز جان دوندار الذي يحاكم بتهمة تسريب معلومات أمنية حساسة والتواصل مع الكيان الموازي واحتفت به على مستوى الرئاسة، ثم أعلنت مؤخراً عن استعدادها لقبول طلبات لجوء سياسي قدمها عشرات الضباط الأتراك العاملين سابقاً في الناتو، والذين تعتقد أنقرة أن لهم صلات بالكيان الموازي والانقلاب الفاشل.

الجديد أن ألمانيا ألغت لقاءً جماهيرياً كان يفترض أن يشارك به وزير العدل التركي بكير بوزداغ منذ أيام، فقد ألغت بلدية غاغيناو التابعة لولاية بادن – وورتمبيرغ فعالية دعا إليها "اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين" (UEDT) بعد موافقتها سابقاً عليه بدعوى "عدم وجود مرآب سيارات يكفي للحضور وقلة عدد مداخل المكان"، كما ألغت مدينة أخرى فعالية مشابهة كان يفترض أن يشارك بها وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي.

اعتبر الوزير التركي أن "عدم تحمل ألمانيا" لتجمع شعبي تركي على أراضيها في إطار ديمقراطي يشارك فيه مسؤولون رسميون أتراك "أمر غير مقبول"، وقال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي عمر تشيليك إن ألمانيا "تبني مرة أخرى جدار برلين أيديولوجياً"، فيما عبر الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين عن "قلقه على مستقبل الاتحاد الأوروبي" في ضوء هذه التطورات.

الرد التركي لم يكتف بالتصريحات، فألغى بوزداغ لقاءً كان يفترض أن يجمعه بنظيره الألماني، كما استدعت الخارجية التركية السفير الألماني مارتن إيردمان وأبلغته احتجاجها على الإلغاء وعلى "ازدواجية المعايير" الألمانية التي تسمح بفعاليات لناشطين أكراد ويساريين تستضاف في بعضها (عبر الفيديو) قيادات من حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً على لوائح الاتحاد الأوروبي وألمانيا، فضلاً عن استقبال الضباط المتهمين بالانضمام للكيان الموازي وغيرهم.

بيد أن القرار الألماني قد لا يكون مجرد قرار احتجاجي على توقيف ممثل الصحيفة الألمانية أو حتى على حالة الحريات في تركيا بعد الانقلاب إذا ما نظر له من زاوية الاستفتاء الدستوري في 16 أبريل المقبل، فمشاركة الوزيرين تأتي ضمن الحملة الانتخابية التي تستهدف تحفيز المغتربين الأتراك لقبول التعديل الدستوري، سيما وأن ألمانيا هي الدولة الأكثر عدداً من حيث المغتربين الأتراك في العالم، ويقدر عددهم فيها بأكثر من ثلاثة ملايين وفق أقل التقديرات.

لعل هذا القرار، إذن، يشير إلى هواجس ألمانية -أوروبية حول الأوضاع السياسية في تركيا ورغبة محتملة بالتأثير على نتيجة الاستفتاء الذي سيحول النظام السياسي فيها إلى رئاسي سيكون أقوى مرشحيه الرئيس الحالي أردوغان غير المحبوب في أوروبا.