البراءة ليست للجميع

في أعقاب يناير 2011 وأثناء حالات الصراع بين الثورة والثورة المضادة ومع تطور بنية الثورة المضادة؛ بدأت البراءات لرجال السلطة في الظهور وسط غضب كبير من الجماهير، والبراءات أو الإعدامات في نموذج القضاء المصري في القضايا السياسية تعني الكثير.

وكانت صور "المسجونين" من رموز النظام السياسي القديم – وهم قطعا قلب الثورة المضادة – مستفزة لعموم الشعب المصري، فأغلبهم كانوا يبدون وكأنهم خارجون توا من صالة للألعاب الرياضية، ولم يبد عليهم أي آثار مما نراها الآن على الرهائن بسجون العسكر، وكان ذلك مقصودا حتى تصنع صورة ذهنية لدى الجماهير أن هؤلاء ما زالوا هم الأقوى حتى ولو كانوا في السجون؛ وتعمدت وسائل الإعلام إظهار الاحترام الكامل لهم من ممثلي السلطة وخاصة من الضباط؛ فلن ننسى التحية العسكرية لحبيب العادلي ولا الانحناءات لمبارك وأولاده، على عكس الصورة التي يتعمدون إظهارها الآن مع رجال الثورة؛ وكان ينبغي أن يكون ذلك مؤشرا خطيرا على سيطرة الثورة المضادة علي الأمور.

فالسجن قبل أن يكون وسيلة لتطبيق العقاب فهو أحد أهم مظاهر السيطرة على السلطة، ولذلك يعتبر اقتحام السجون وتحرير من بها هي أعلى درجات انهيار النظام الموجود في أي مكان، لأن السجن هو أعلى مكان به حماية وهو يمثل الهيبة الأعلى للسلطة ، ودائما ما تحدث صعوبات في التعامل مع رجال السلطة والسجون؛ ففي كل الأنظمة مهما كانت درجة نزاهتها وشرفها تجد صعوبة ما في دخول رجالها إلى السجون وتزداد هذه الصعوبة بشكل دراماتيكي في حالات الدولة الفاسدة؛ ولكنها في حالة مصر التي فقدت معنى الدولة لا تجد السلطة الحقيقية أي مشكلة في اعتبار السجن هو الغرفة الخلفية التي تعاقب بها من تشاء دون أية قواعد.

ولو تابعنا كيف تعامل العسكر مع كل رموز السلطة قبل يناير 2011 نجد أنهم قدموهم للمحاكمة تحت ضغط شديد للغاية من الشارع وتعاملت معهم مؤسسة السجن كأنهم زائرون أو ضيوف يحق لهم التكريم والاحترام وهذا لأن السجن كان ولا زال تحت سيطرة سلطة الثورة المضادة التي لن تسجن رجالها، أما بعد انقلاب يوليو والاستقرار المرحلي الثورة المضادة؛ أصبح من الضروري عودة السجن لوضعه الأصلي ولا يجب أن يكون به أحد من رجال السلطة السابقين أو الحاليين.

ولم تعتبر الثورة المضادة يوما من الأيام الثوار أحد أجزاء السلطة وتشهد السجون علي ذلك؛ فهم أكثر ساكنيه وخاصة من التيار الإسلامي، ووجود رئيس الجمهورية المنتخب بالسجن يؤكد أن السلطة في مصر لا تعرف القانون ولكن تعرف فقط أنها صاحبة مصر.

واستغرب البعض ممن يقول أن ما حدث هو خطأ من الثورة المضادة؛ فكان يمكنهم الحكم على مبارك بالإدانة وتقليل حجم الغضب في الشارع ضدهم وخاصة مع الانهيار الكبير في الحالة الاقتصادية وانهيار شعبية النظام، فالحقيقة أن خروج مبارك أمر حتمي، ليس لشخصه ولكن كي يثبت العسكر وهم حاكمي مصر أنهم هم من يحرمون ويعطون ومن يسجنون ويحررون؛ يحررون من كان معهم ومنهم ويسجنون ويقتلون أي معارض لحقهم المقدس في السلطة، هذه هي رسالة العسكر من براءة مبارك لأنهم لا يمكن أن يتركوا للشعب أي إحساس أنهم قادرون على تحقيق أي شيء دون إرادة العسكر.

وما يقال عن شعبية النظام أو الغضب الشعبي وهو صحيح بالمناسبة؛ لا يهتم به العسكر على الأقل مرحليا، فهدفهم الآن هو القضاء على أي مظهر يذكر الشارع بأي انتصار أو بأي مظهر من مظاهر يناير، وقد استطاع النظام بعد الانقلاب؛ أن يفتت القوي الناعمة المجتمعية الموجودة بالمجتمع المصري من نقابات وجمعيات وجماعات وحتى أحزاب وأصبحت جميعها خارج الخدمة إما عن طريق القمع الهائل أو الحظر الذاتي من المؤسسات خوفا من البطش الأمني، وتفتيت وتحجيم تلك القوى المجتمعية جعل من الشارع كتلة سائلة كبيرة لا يمكنها أبدا مواجهة تلك السلطة المجنونة مهما كان حجمها كبيرا أو غضبها هائل؛ ويدرك النظام ذلك، لذا فهو يتحرك بمنتهى الأريحية في كل الملفات دون أي اعتناء بأي رد فعل شعبي مرحليا؛ ولكنه في نفس الوقت يتحرك بسرعة فائقة خوفا من قدرة المجتمع أو القوى القديمة علي تكوين شيء ما يمكنه صناعة قوي ناعمة تمكن الشارع من الحركة وستكون تلك الحركة كبيرة بشكل مخيف ولن يستطيع أحد إيقافها.

لهذا يستخدم العسكر السجن كوسيلة فاعلة للقهر وهو قمة مظاهر السلطة وأحد أهم وسائل ضبط باقي المجتمع ؛ ومن الواضح أن البراءات فقط لمن كان يخدم السلطة أما من كان معاديا لها فمكانه السجن حتى بدون محاكمات أو غيرها، فقد أصبح اللعب على المكشوف وما كان في الماضي لا يمكن فعله إلا بالقانون أصبح الآن يمكن فعله بقرار.

فكل من ينتمي للثورة المضادة من السلطة القديمة / الجديدة خرج من السجن ولن تقبل الثورة المضادة بوجود أي رمز من رموزها بداخله، وبقي بداخل السجن الكثير ممن يؤمنون بحق الشعب في أن يتحرر من السجن الكبير الذي يضع به العسكر كل مصر، فالمصريون مسجونون داخل زنازين الفقر والجهل والمرض وربما يكون من بالسجون الهيكلية هم الأحرار الوحيدون.




هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه