"مونيتور": المعايير المزدوجة الألمانية غير قابلة للتفسير مع تركيا ومصر

نشرت صحيفة ميدل إيست مونيتور مقالاً حول المعايير المزدوجة وغير المتناسقة التي تتبعها جمهورية ألمانيا الاتحادية تجاه جمهوريتي تركيا ومصر؛ حيث كتب أحمد البرعي وهو مختص في الشؤون التركية: بدأت الحرب الكلامية بين المسؤولين والدبلوماسيين الأتراك والألمان عندما منعت ألمانيا وزير العدل التركي بكير بوزداغ من عقد اجتماع حاشد في ألمانيا.

زيارة الوزير إلى ألمانيا كانت جزءًا من التعبئة وحملة التوعية التي بدأتها الحكومة قبل الاستفتاء على الدستور الذي من المقرر له أن يعقد في 16 ابريل.

يضيف البرعي أنه من الطبيعي أن بلدًا مثل ألمانيا والتي تستضيف 4 ملايين مواطن على الأقل من أصول تركية (حوالي 1.4 مليون شخص في السجل الانتخابي) ستكون وجهة السفر للحكومة التي تستعد لإجراء أضخم إصلاح دستوري في تاريخ الجمهورية التركية.

كان الأمر مثيرا للصدمة، من أن لا يسمح للوزراء بعقد اجتماعاتهم. وبصرف النظر عن الأعذار والتبريرات غير المنطقية التي قدمتها الحكومة الألمانية - بسبب مخاوف من الاكتظاظ - قال بوزداغ "نحن نرى أن الأمراض القديمة، تثور" في إشارة إلى الفاشية العنصرية الألمانية في القرن ال20. وقال بصراحة أنه تمييز عنصري ضدهم.

ووفقا للكاتب فقد قبلت ألمانيا مؤخرًا طلبات اللجوء من 136 من الدبلوماسيين وضباط الجيش التركي والذين تتهمهم تركيا بالمشاركة في محاولة انقلاب فاشلة في يوليو من العام الماضي. بدلا من التركيز على عناصر التنظيمات الإرهابية مثل حزب العمال الكردستاني المحظور (PKK)، ألمانيا تدافع عن دنيز يوجل، وهو الصحفي الذي اتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان علنا بأنه "وكيل ألماني" وعضو في حزب العمال الكردستاني.

ويستعرض الكاتب ذهاب الرئيس أردوغان أيضا إلى تشبيه إلغاء ألمانيا للتجمعات التي كان من المقرر أن يعقدها وزراؤه بممارسات النازية. استدعت تركيا السفير الألمانى للاحتجاج على إلغاء التجمعات، والمثير للاهتمام، أن المبعوث الألماني، مارتن اردمان، تم استدعاؤه من قبل وزارة الشئون الخارجية التركية ست مرات منذ مارس الماضي.

في الآونة الأخيرة، تحولت ألمانيا إلى مخبأ فعلي لكل من يعارض سياسات أردوغان. في العام الماضي، حضر السفير الألماني ومجموعة من الدبلوماسيين الأوروبيين جلسة محاكمة مشحونة سياسيا ضد جان دوندار الذي كان يواجه اتهامات بالإرهاب. كان دوندار المحرر العام لصحيفة جمهوريت اليسارية حتى أغسطس 2016. وكان قد اعتقل في نوفمبر 2015 بعد أن نشرت صحيفته لقطات تظهر عربات تنتمي إلى المخابرات التركية وهي تحمل ذخائر لإرسالها إلى الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون السوريون.

ازداد غضب أنقرة بعد استقبال ألمانيا دوندار كضيف شرف في حفل استقبال رسمي مع الرئيس الألماني يواخيم غاوك نفسه. ومنذ ذلك الحين يعيش دوندار في المنفى في ألمانيا، على الرغم من أن مذكرة اعتقال ضده قد صدر من قبل الحكومة التركية.

في يونيو الماضي، اعتمد البرلمان الألماني بأغلبية ساحقة قرار رمزي للنظر في عمليات قتل الأرمن في عام 1915 ووصفها بأنها إبادة جماعية، وتصاعد التوترات مع تركيا إلى مرحلة حساسة. في أعقاب محاولة الانقلاب، لم يسمح الرئيس أردوغان لمخاطبة الجماهير في ألمانيا عبر الهاتف.

هناك اعتقاد سائد بأن تركيا كانت في مرمى ألمانيا لسببين رئيسيين. أولا، حملة تركيا على أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في البرلمان والذي تتهمه أنقرة بأنه الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، وحملة تركيا على المنظمة "الإرهابية" (فيتو) أو ما يعرف بجماعة الخدمة وزعيمها فتح الله غولن والتي كانت سببا لانتقاد المسؤولين الألمان بشدة لتركيا. الجماعة الأولى تؤيد بشكل واضح لا لبس فيه من للهجمات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني والأخير هو العقل المدبر لمحاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد.

ثانيا، ما إذا كانوا يعترفون بذلك أم لا، أن سلطة أردوغان أضفت الطابع المؤسسي لتركيا ديمقراطيا،. إذا إن 50 في المائة من الناخبين الأتراك يقولون "نعم" للإصلاح الدستوري المقترح للحكومة، وسيتم بعده تعزيز سياسات استباقية وطنية وإقليمية ودولية في تركيا، وهو ما يخالف رغبات برلين.

ميركل مع الانقلابيين المصريين

ويقارن البرعي بين كل ذلك العداء لتركيا بالعلاقات الحميمية التي تجمع ألمانيا بالنظام الانقلابي في مصر حيث يقول كنا سنحترم بالتأكيد الانتقادات الألمانية حول حقوق الإنسان وحرية التعبير في تركيا لو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لم تحافظ على موقفها السلبي من حقوق الإنسان في مصر. حيث تعهدت المستشارة بتعزيز دعم بلادها لواحدة من أكثر الأنظمة استبدادية في العالم.

إن أي مراقب منصف لا يجرؤ أبدا أن يقارن بين تركيا ومصر لسبب أنهم لا تتساويان. تدار تركيا من قبل رئيس منتخب ديمقراطيا أما نظام الحكم في مصر فهو مخطوف تماما من قبل مجموعة من الجنرالات. ما من شك في أن عبد الفتاح السيسي، ومجموعته الانقلابية أطاحوا بأول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر، محمد مرسي، ولا يمكن مقارنة هذا الأمر بأردوغان الذي كان رائدا في نهضة تركيا الحديثة.

الآن ميركل تريد مساعدة مصر في تحصين خفر السواحل، وكبح جماح الاتجار بالبشر غير الشرعي عبر البحر الأبيض المتوسط. فإنه سيكون أكثر جدوى إذا احترمت دول الاتحاد الأوروبي اتفاقها مع تركيا وببساطة أوفت بالتزاماتها. على العكس من ذلك، فإن اليونان اليوم مترددة في تسليم ضباط الجيش التركي الهاربين من الذين شاركوا في محاولة انقلاب يوليو التي أحبطت، في حين تقدم ضباط آخرين متهمين بالمشاركة في الانقلاب على حق اللجوء السياسي في ألمانيا.

لماذا لا نقدم ألمانيا منصات متساوية لطالبي اللجوء من خلفيات وأعراق مختلفة؟ يبدو أن الألمان يفضلون المتآمرين والانقلابيين بدلا من اللاجئين من أصل سوري أو الأفارقة. في لقاء لها مع السيسي، ميركل ببساطة فضلت الاستعانة بمصادر خارجة المسؤولية عن أزمة اللاجئين بأنظمة غير جديرة بالثقة.

ويختم الكاتب حديثه بمفارقة، أن "كونراد أديناور"، وهي منظمة غير حكومية ألمانية كانت قد أغلقت من قبل قوات الأمن المصرية في عام 2011، وجرى تسليم موظفيها بالسجن غيابيا. قالت ميركل: "من الجيد حقا أننا قادرون على تحقيق تقدم على القيم الأساسية والسياسية." يا لها من مفارقة واسعة عندما تقول المستشارة "إنها خطوة أساسية على الطريق إلى مزيد من التنوع للبلدان المدنية."

ورحبت بانقلابيين أتراك بشكل ودي في ألمانيا، في حين عينت انقلابيين مصريين على أنهم من مؤيدي التنوع في المجتمع المدني. الجميع يدرك تماما أن النظام المصري قد شن حملات تعسفية لجميع المنظمات غير الحكومية، وقامت بقمع وحشي للمعارضة، فضلا عن الاعتقال العشوائي والقتل خارج نطاق القضاء والاخفاء القسري للمعارضين والناشطين. ومع ذلك، فعندما يعزز السيسي  الكليشيهات الموازنة بين حقوق الإنسان مع ما يسمى بالحرب على الإرهاب، تستمع المستشارة الألمانية لأكاذيبه بكل بانتباه.