لهذه الأسباب يرفض شبيحة النظام الذهاب للقتال في حلب !

رفضت مجموعات من مليشيات "الشبيحة" المسماة بـ"القوات الرديفة" التوجه إلى جبهات ريف حلب الشرقي، ما دفع اللجنة الأمنية إلى السعي لإغراء أفراد هذه المجموعات؛ من خلال التغاضي عن جميع عمليات السرقة للممتلكات العامة والخاصة (التعفيش) في القرى والبلدات التي يتم إخراج تنظيم الدولة منها.

وفي هذا السياق؛ أشار الناشط الإعلامي في مدينة منبج، أحمد محمد، إلى إصدار اللجنة الأمنية أوامر تقضي بإخلاء مقرات "لواء العشائر" الذي شكله النظام من أبناء قرى الريف الشرقي الموالين له، وإرغام مقاتليه الذين يقارب عددهم الـ500 مقاتل على التوجه إلى الريف الشرقي.

وأضاف لـ"عربي21" أن "غالبية المقاتلين يفضلون البقاء في مدينة حلب بعيدا عن الجبهات، بدلا من التوجه إلى المناطق الشرقية التي يغلب عليها الطابع الصحراوي"، مؤكدا "عدم امتلاك اللجنة الأمنية للقوة التي تخولها بفرض قراراتها على المليشيات الخارجة عن سلطة الدولة" على حد قوله.

ولفت إلى ما اعتبره "نتيجة طبيعية" لإغراء اللجنة العسكرية والأمنية لعناصر "الشبيحة"، وذلك بالإشارة إلى حملات السرقة المنظمة التي تعرضت لها القرى التي انسحب تنظيم الدولة منها في بلدة الخفسة ومحيطها.

وقال محمد إن "شهادات أهالي بلدات ريف مسكنة؛ تكشف عن حملات تعفيش غير معهودة من قبل"، وأضاف: "لقد سرقوا كل شيء؛ من الغطاسات المائية المنزلية، والجوالات، إلى المصاغ الذي ترتديه النساء، وحتى المواشي".

من جهته؛ نقل الناشط الإعلامي أبو محمود الناصر، المتواجد في ريف حلب الشمالي، شهادات عن نازحين من أبناء تلك القرى، أكدوا فيها أن عناصر المليشيات أقدمت على سرقة ممتلكات الأهالي الذين رفضوا مغادرة قراهم، ظنا منهم أن جيش النظام سيقوم بحمايتهم.

رغم التقدم السريع الذي أحرزته قوات النظام والمليشيات المساندة لها على حساب تنظيم الدولة في ريف حلب الشرقي مؤخرا؛ إلا أن اللجنة الأمنية التابعة للنظام في حلب، تواجه صعوبات بالغة في تنفيذ قراراتها القاضية بتوجه أفراد مليشيات "الشبيحة" لمساندة قواتها في الجبهات المشتعلة في محيط مطار الجراح العسكري.

مدينة حلب

تعد مدينة حلب واحدة من أقدم المدن في العالم، وقد تمت الإشارة إليها في النصوص المصرية القديمة منذ أكثر من 20 قرنا قبل الميلاد، وقد تم العثور على بقايا معبد يعود إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد في موقع قلعة العصور الوسطى الشهيرة في حلب. ازدهرت حلب سياسيا واقتصاديا خلال القرن الثامن عشر قبل الميلاد قبل أن تسقط في يد الحثيين.

وخلال الحقبة الهلنستية، أصبحت حلب موقعًا تجاريًا هامًا بين دول البحر الأبيض المتوسط وبين الشرق، كما أن حلب ازدهرت كمركز لحركة القوافل تحت الحكم البيزنطي، وقد خضعت حلب للحكم الإسلامي في منتصف القرن السابع الميلادي، قبل أن تسقط في يد الإمبراطورية البيزنطية خلال القرن العاشر، ثم يستعيدها الأيوبيون خلال القرن الثاني عشر.

لا تستمد حلب أهميتها من الأهمية الاستراتيجية للمعارك الدائرة حولها فحسب، بل إن البلدة تحمل أهمية رمزية كبيرة أيضًا، فهي ثاني أكبر المدن السورية، وقد كانت أكبر المراكز الاقتصادية في البلاد قبل أن يتم تدميرها بفعل الحرب، وهي المدينة السياحية الأولى في البلاد، وكانت الموقع المفضل للعديد من البعثات الدبلوماسية لفترة طويلة من الزمن.

أهمية حلب للمعارضة

شكلت مدينة حلب الواقعة شمال سورية موقعا إستراتيجيا مهما لقوات المعارضة السورية التي سيطرت على الجزء الشرقي من هذه المدينة، في إطار سعيها للسيطرة على مواقع إستراتيجية أخرى شمال وجنوبي ووسط سورية.

غير أن وجود "تنظيم الدولة" على خريطة النزاع السوري عقّد من فرص المعارضة للسيطرة على مناطق مهمة، خاصة أن معادلة النزاع في سوريا تعني أن الكل يحارب الكل، ضمن إستراتيجية توسيع النفوذ الجغرافي والوجودي.

من ناحية، فإن حلب هي أحد معقلين كبيرين للمعارضة على الحدود الشمالية مع تركيا، والمعقل الآخر هو إدلب، وتعتمد المعارضة في الشمال بشكل كبير على تأمين المساعدات والإمدادات عبر تركيا إلى حلب وإدلب من خلال معبري باب السلامة وباب الهوى على الترتيب.

ومع قطع طريق الإمدادات في حلب فإنه لا يبقى للمعارضة سوى طريق إدلب للحصول على الإمدادات مع العلم أن جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة تتمتع بنفوذ كبير في إدلب مقارنة بحلب.

ويشير تحليل ميداني نشره مركز "أتلانتيك كاونسل" إلى أن إستراتيجية النظام في الوقت الحالي لا تعمد إلى السيطرة على الأراضي بشكل متصل بقدر ما تهدف إلى عزل المعارضة في جبوي صغيرة يسهل التعامل معها لاحقا، وقطع خطوط إمداداتها وعلى الأخص مع تركيا.

ويرجح المركز أنه بعد أن يطمئن النظام بشكل تام إلى نجاحه في قطع خطوط الإمداد التركي عن المعارضة في حلب عبر معبر باب السلامة من خلال إحكام السيطرة ممر عزاز، فإنه ربما يؤجل خطته في التقدم نحو المدينة ويقوم بنقل تركيزه إلى منطقة أخرى وسوف تكون إدلب، المنفذ الآخر للمعارضة مع تركيا هي المرشح القادم للعمليات.

النظام السوري رغب في الاستفادة الكاملة من التدخل العسكري الروسي، لذلك قام بتوظيف هذا التدخل الجوي في الأساس لتكثيف الحصار على مدينة حلب، والاستعجال في تحقيق انتصار سريع يسبق أي مرحلة تفاوضية لاحقة.

ويعزز هذا الرأي موقفين صدرا عن الحكومتين الروسية والسورية، إذ قالت الأولى إنها مهتمة لفكرة استكمال المسار السياسي الذي عُلّق في جنيف، وإنها تقترح عقد جولة من المباحثات بين طرفي النزاع السوري بعد التوافق مع الولايات المتحدة حول قضايا لا تزال عالقة.