صحفي بريطاني: نفكر في ريجيني وننسى ضحايا النظام من المصريين

الصحفي البريطاني جاك شينكر مراسل صحيفة الغارديان البريطانية في مصر يكتب عن تغول الدولة البوليسية المصرية على الحريات بشكل عام في مصر واستهداف الصحافة بشكل خاص هناك.

يقول "شينكر" في مقاله: "عندما اغتيل جوليو، كان للحادثة تأثير عميق في نفسي والآخرين أمثالي, ليس فقط بسبب كمية الظلم الصادم، ولكن أيضا لأنهم هدموا أوهامنا التي اعتبرناها كما الدفاعات الخاصة بنا".

وأضاف: "لم أكن أعرف جوليو ريجيني من قبل. كنت أتمنى لو عرفته؛ لقد كان بحثه مهما ورائعا، وجميع المقربين منه يتذكرونه ويصفونه بأنه شاب مضحك، دافئ وإنساني عميق. ولكن عندما وردت أنباء عن اختفائه، كانت قد انتشرت أولا في تلك الأيام السقيمة في أعقاب ذكرى ثورة 25 يناير في عام 2016، شعرت وكأني كنت أعرفه. جزء من السبب في أنني شعرت بهذه الطريقة، كما أعتقد، هو أن جوليو ينتمي إلى فئة معينة من سكان القاهرة،  أنا على دراية بها لذلك شعرت أني في كثير من النواحي أنتمي إليه بنفسي".

وتابع: "لقد كان الأجنبي الذي انتقل إلى مصر لأنه مفتون - فكريا وسياسيا وشخصيا - بتلك الدولة، بفروقها الدقيقة وإيقاعاتها. كان شخص يريد أن يفهم نضالات المصريين المهمشين في الأرض، ولم يأت ليخادن كبار الشخصيات في أروقة السلطة. وكان يميل لتلك الفئة من سكان القاهرة الذين يرغب الآخرون في عدم رؤياهم، لم يود الحصول على ملاءمة وتمهيد لاستقبال المغتربين في السفارة. حيث كان من المرجح أن يجد لنفسه مكان في وسط المدينة، في أحد البارات، مع بعض النميمة وأكل الترمس والبحث عن مجد بائس غير مهذب".

ويضيف "جاك" أنه "داخل هذا المجتمع كان البعض على علاقة معقدة مع عنف الدولة، العنف الذي يبدو في شكل واحد أو آخر (كما الصحفيين والأكاديميين والعاملين في المنظمات غير الحكومية) وهو في كثير من الأحيان مرتبط كجزء من عملنا. بحكم الواقع أننا لم نكن مصريين، وقفنا خارجا، وفي مناخ كراهية الأجانب الذي ترعاه الحكومة والقومية الشوفينية، التي جعلتنا كأهداف. لكننا كنا أيضا، أو هكذا كنا نظن، محميون إلى حد ما بسبب شرف حملنا جوازات سفر أجنبية في كثير من الحالات ما كان يفرض واقعا معينا من البياض "الوضوح" لدينا: لم نتعرض لنفس الدرجة من الخطر الذي تعرض له زملائنا المصريين حيث يواجهون ذات الأمر كل يوم.

واستطرد: "كنا ندرك كيف أن لهذه الامتيازات إشكالات لكننا كنا نعتمد أيضا عليها،  وبوعي أو لا شعوريا جعلناها جزءا من هويتنا في مصر، وهي جزء من إحساسنا النفسي وعلاقتنا في ذلك البلد الذي هو بمثابة منزلنا الآن. وحتى عندما قتل جوليو، كان لها تأثير عميق في نفسي والآخرين في موقف مماثل: ليس فقط بسبب الظلم الصادم  مما حدث له، ولكن أيضا بسبب الطريقة التي هدموا أوهام الدفاعات من جانبنا".

وتابع: "لقد خطب متحدثون آخرون ببلاغة عن الكفاح من أجل الحقيقة والعدالة لجوليو، ولذا فإنني لن أخطو على نفس الخطى. ولكن ما أود القيام به هو لفت الانتباه إلى بعدين لقصة جوليو والتي أعتقد أنها حيوية لنضع في الاعتبار عند التفكير في قتله، والأبعاد التي أظن - على الرغم من أنني لم أعرفه - جوليو نفسه يمكن أن يكون حريصا لقولها و التأكيد عليها لجمهور أوسع".

وبدأ "جاك" في سرد تلك الأبعاد قائلا: "الأول هو السياق الأوسع من الوحشية الاستبدادية التي كشفته منحته. حيث استخدام  القتل خارج نطاق القضاء، التعذيب للمعتقلين، وحالات الرقابة الثقافية، وانتهاكات الحرية الأكاديمية, مصر تمر حاليا بتكرار أبشع للدكتاتورية في الذاكرة الحية. وهي تستهدف الجميع بشكل عام والصحفيين بشكل خاص. مصر هي الآن ثالث أكبر سجان للصحفيين في العالم بعد تركيا والصين. وفي العام الماضي هاجم الأمن مبنى نقابة الصحفيين في القاهرة، حيث كان يلجأ بعض الإعلاميين. منذ صعود السيسي، تعرض الصحفيين لعاصفة من الإجراءات النزقة من حظر السفر، دعاوى التشهير، والاعتقالات. وأنا أتكلم في هذه اللحظة، يجري اعتقال الصحافي العامل في قناة الجزيرة محمود حسين بتهمة "نشر أخبار وهمية '؛ وقد صدر حكم بالسجن على المصور الصحفي شوكان منذ عام 2013، ويمكن أن يواجه عقوبة الإعدام؛ عبد الله-الفخراني، اعتقل أيضا في عام 2013، وهو الآن يقضي حكما بالسجن مدى الحياة وراء القضبان".

واستكمل مقاله مضيفا: "إلى جانب ذلك التخويف القانوني الذي هو محاولة أشد غدرا من قبل النظام لنزع الشرعية عن المفهوم الأساسي للصحافة. وقد حذر الرئيس السيسي من "الحرب الرابعة بين الأجيال" التي تشنها الصحافة ضد مصر على حسب ادعائه, ويقول ان الصحفيين الذين "أضروا بمصر" سوف "يحاسبهم أمام الله". وعندما طرحت أسئلة مشروعة حول نجاحات وإخفاقات قناة السويس التي روجت لها الدولة كثيرا (والتي أسفرت حتى الآن عن زيادة 0.0033٪ في الإيرادات)، ادعى السيسي أن " هذا السؤال هو لهدف كسر إرادة المصريين ". في حين أعلن رئيس البرلمان علي عبد العال انه تم جمع قائمة من الصحفيين المحليين والدوليين الذين "نشروا محتوى مثير للفتنة حول مصر".

وجاء بعد ذلك في المقال: "وبالطبع هذه الحملة تمتد إلى ما وراء وسائل الإعلام العالمية. مركز النديم، الي يساعد على إعادة تأهيل ضحايا عنف الدولة أصدر مؤخرا تقريره السنوي الذي قدم فيه إحصاءات عن بعض انتهاكات حقوق الإنسان خلال العام الماضي. في عام 2016، كان هناك ما يقرب من ألف حالة اختفاء قسري، فضلا عن أكثر من 500 حالة من حالات التعذيب الفردية، وأكثر من 300 حالة تعذيب جماعي، وأكثر من مائة حالة وفاة في الاعتقال. اليوم، هناك ما يقدر ب 60،000 من السجناء السياسيين في السجون السيسي. في أواخر العام الماضي قابلت أحد مؤسسي مركز النديم لعايدة سيف الدولة التي قالت: "هذه هي أسوأ حالة عندما يتعلق الأمر بقتل وتعذيب وتجويع المعتقلين في السجون ولم تسبق في أي وقت مضى". وبعد أسابيع قليلة اقتحمت قوات الأمن مقر المركز في وسط القاهرة، وأغلقتها".

وأضاف: "لذلك أعتقد أنه من المهم أن نضع ما حدث لجوليو في ضوء هذه الخلفية، ولا بد أن نكون يقظين ضد أي جهود لعزل اغتياله عن هذا السياق الأوسع لعنف الدولة التي لا تزال تؤثر عليها وتدمر حياة الكثير من المصريين كل يوم".

واستكمل قائلا: "والشيء الثاني الذي أردت التأكيد هو أن هذه الإدانة لعنف الدولة - حجمها وعمقها وشراسة - لا يمكن أن تقتصر داخل حدود مصر. لقد كان حلفاء مصر من الغربيين متواطئون معها بشكل دائم في الاستبداد في عهد مبارك. بالنسبة لهم، فإن طبيعة الأجهزة الأمنية المصرية على هذا النحو هو أصل، وليس انحراف. مصر، على سبيل المثال، كان شريكا رئيسيا في برنامج التسليم الاستثنائي لوكالة الاستخبارات المركزية خلال الحرب في عهد بوش على الإرهاب. "إذا كنت ترغب في استجواب خطير، فإنك ترسل السجين إلى الأردن"، كما قال وكيل وكالة المخابرات المركزية في ذلك الوقت. "إذا كنت تريد لهم أن يتعرضوا للتعذيب، يمكنك إرسالهم إلى سوريا. إذا كنت تريد أن يختفي شخص ما - لا أريد أن أراه أبدا مرة أخرى - فقم بإرساله إلى مصر".

واختتم "جاك" مقاله بقوله: "نحن نفكر في النضال من أجل العدالة لجوليو، علينا أن نتذكر الضحايا الآخرين للدولة المصرية، أولئك الذين لم يتمكنوا من النجاة بسبب وجودهم في تلك البقعة التي تسيطر عليها الدولة البوليسية".