تقرير لجنة العدالة: "لا أفق لنهاية الظلم الممنهج في مصر"

أصدرت "لجنة العدالة" بجنيف، اليوم الخميس، تقريرًا مفصلًا من واقع دراسة 50 قضية عسكرية للمدنيين في مصر، تحت عنوان "لا أفق لنهاية الظلم الممنهج"، قالت إن باحثيها عملوا على إعداده على مدار الثلاثة أشهر الماضية بشكل مكثف لدراسة هذه القضايا وتحليلها بعد الحصول على المستندات الخاصة بكلٍّ منها وتوثيقها والتأكد من جميع البيانات والإجراءات حتى تخرج بأفضل المعايير لتحقيق الهدف المرجو منها.

ونوّهت لجنة العدالة، وهي جمعية سويسرية مستقلة للدفاع عن حقوق الإنسان، في الندوة التي عقدتها في 20 مارس الماضي في مجلس حقوق الإنسان بجنيف عن إصدار هذا التقرير، وقالت إنها ستنشر النسخة الإنجليزية منه في الأسبوع القادم.

هدف التقرير

تهدف اللجنة من خلال هذا التقرير إلى تقديم صورة واضحة عما يواجهه المعتقلون في مصر من انتهاكات، سواء كانت قانونية أو تشريعية، أو غيرها من الأسباب المختلفة التي أدت إلى حرمان أكثر من عشرة آلاف معتقل من الحرية بسبب الأحكام الصادرة بحقهم من قبل المحاكم العسكرية المنتشرة في جميع أنحاء مصر، على الرغم من كونهم مدنيين.

كما يسلط التقرير الضوء على أسلوب عمل السلطات المتعاقبة على تقنين المحاكمات العسكرية للمدنيين في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011م وتحويلها إلى جزء أصيل من منظومة العدالة، وذلك بدلًا من كونها استثناءً من هذه المنظومة قبل الثورة، ورغم المطالبات آنذاك بإلغائها، وقد مورس ضغط بأشكال مختلفة من قِبل منظمات المجتمع المدني والحقوقيين والنشطاء بأساليب متنوعة لوقف محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية.

مجهود توثيقي

يتميز هذا التقرير بأنه يستند إلى جميع المستندات والوثائق الخاصة بالقضايا التي استطاع الباحثون الحصول عليها بمساعدة أعضاء هيئات الدفاع عن المدنيين المحاكمين أمام القضاء العسكري، وقد أرفقنا به قاعدة البيانات التفصيلية الخاصة بهذه الدراسة التحليلية.

ويبيّن التقرير، من خلال اعتماده على دراسة 50 قضية استنفذت إجراءات التقاضي كافة وأصبحت أحكامها باتة وواجبة النفاذ تمت بسببها إحالة 485 مدنيًا في الفترة بين 30 يونيو 2013 ونهاية ديسمبر 2016 إلى المحاكم العسكرية، كيف تم التعدي عليهم وحرمانهم تعسفيًّا من حريتهم نتيجة ممارسة انتهاكات قانونية وتشريعية وإهدار للحق في المحاكمة العادلة.

كما يسلط الضوء على الأسباب الجذرية والعوامل التي أدت إلى حرمانهم من حريتهم ومحاكمتهم أمام القضاء العسكري بسبب ما اتخذ من خطوات تشريعية وقانونية متدرجة لتوسيع صلاحيات القضاء العسكري؛ الأمر الذي تراه لجنة العدالة مقصودًا بشكل كبير من جانب النظام المصري.

غياب العدالة

ويوضح التقرير أن هذه المحاكمات التي تمت لهذه القضايا افتقدت إلى المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة؛ الأمر الذي ينسف هذه المحاكمات من أساسها ويبعدها تمامًا عن أطر العدالة إلى أطر القمع والانتهاك، وساهم في ذلك بشكل كبير عدم استقلال القضاء العسكري عن هرم القيادة، وتبعيته للسلطات القيادية داخل الجيش.

كما أظهر التقرير، من خلال دراسته لملفات القضايا الخمسين، أن التشريعات المقننة لمحاكمة المدنيين عسكريًا قد تم تحصينها من أي محاولة للعمل على الطعن عليها أمام المحكمة الدستورية العليا من قبل هيئات الدفاع عن المتهمين أمام القضاء العسكري؛ حيث تم رفض المئات من الطلبات للقيام بإحالة القوانين المنظمة للمحاكمات العسكرية للمدنيين إلى المحكمة الدستورية العليا لتبيان حقيقة انتهاكها المعايير القانونية والدستورية، وكذلك عدم اتساقها مع المعايير الدولية القانونية الخاصة بالمحاكمات العادلة.

وقد مرّ منهج العمل في هذا التقرير على عدة مراحل:

  1. الرصد والتوثيق: من خلال تتبّع القضايا مسار الدراسة التي تشكل في انتظامها وتكرار انتهاك الحقوق الأساسية في المحاكمة العادلة أمام أكثر من محكمة عسكرية مؤشرات على سياسة معتمدة من قبل المحاكم العسكرية المختلفة.
  2. التحليل القانوني والتشريعي الذي يُعنى بتحليل الأطر الناظمة للمحاكمات العسكرية للمدنيين في مصر، وتقديم نقد قانوني لها في ضوء القواعد والقوانين المعروفة.
  3. إبراز أهم الانتهاكات التي ظهرت خلال جلسات المحاكمات وأثناء التحقيقات من واقع دراسة ملف القضايا.

خريطة التقرير

ووفقًا لهذا، تمّ تقسيم التقرير؛ القسم الأول يتناول الإطار القانوني المحلي الذي على أساسه تمت تهيئة المناخ التشريعي والقانوني لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في مصر.

ويتناول القسم الآخر عرضًا للطبيعة القانونية للمحكمة والقاضي العسكري، والنظر بشكل أكثر تفصيلًا في كيفية تعيينهم وإنشائهم، والقوانين المنظمة لذلك؛ لبيان مدى العوار الذي لحق بمعيار الاستقلالية الذي يعتبر ركنًا أساسيًّا من أركان العدالة؛ الأمر الذي أثّر بشكل واضح على الأحكام الصادرة التي ساهمت في جريمة الحرمان من الحرية التي خلّفتها هذه المحاكمات.

أرقام ومعلومات

يُظهر التقرير عديدًا من الإحصائيات المهمة التي تم العمل عليها بدقة شديدة، ومنها نجد أن عدد المحكوم عليهم الذين شملتهم هذه الدراسة في القضايا الخمسين في مدن القناة 202 في 12 قضية، بينما كان عدد المحكومين في المحافظات الحدودية ثمانية في قضية واحدة.

وتظهر الدراسة أيضًا أن عدد المحكومين لارتباط واقعة القضية بقانون حماية المنشآت 458 من 485 المشمولين في الدراسة، وأن عدد القُصّر 16 محكومًا. وكان الحكم غيابيًا بحق 274 من المتهمين وحضوريًا على 174 منهم.

وهذه بعض الأشكال البيانية التوضيحية للإحصائيات الموجودة في التقرير:


 

توصيات التقرير

وفي نهاية التقرير، استخلصت "لجنة العدالة" توصيات تعتقد أنه يجب تطبيقها فورًا حتى يتم العمل على إيقاف نزيف الانتهاكات والجرائم التي يتم ارتكابها بسبب إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري في مصر، تمثلت في الآتي:

أولاً: إلغاء النائب العام استخدام الأمر الكتابي الدوري رقم (14) لسنة 2014م، وما يترتب على ذلك من إحالة النيابة العسكرية كل القضايا التي تحقق فيها بموجب هذا الكتاب الدوري إلى النيابة العامة.

ثانيًا: طرح البرلمان قانون حماية المنشآت العامة رقم (136) لسنة 2014م للنقاش المجتمعي، وإعادة النظر في إلغائه أو تعديله بما يتناسب مع التزامات مصر القانونية؛ حيث هناك انتقادات حول عدم دستورية هذا القانون، ولما تسبب فيه من جرائم وانتهاكات بحق المواطنين وبحق العدالة في مصر.

ثالثًا: تعديل قانون القضاء العسكري رقم (25) لسنة 1966م وتعديلاته، لتقتصر المحاكم العسكرية على محاكمة العسكريين المتهمين بارتكاب جرائم عسكرية فقط، والجرائم الواقعة داخل الوحدات والثكنات العسكرية، وكذلك إلغاء المواد (5 و7 و8 مكرر أ) والمادة (48) من القانون التي تعطي للقضاء العسكري وحده تحديد اختصاصه. والتوقف عن إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية وإحالتهم إلى قاضيهم الطبيعي.

رابعاً: إحالة كل القضايا المحكوم فيها عسكريًا والقضايا التي ما تزال تنظر أمام القضاء العسكري إلى النيابة العامة أو القضاء الطبيعي، وإعادة إجراءات المحاكمة فيها وفق قانون العقوبات المصري؛ حتى يتمكن المتهمون من الحصول على حقهم في كفالة الدفاع القانوني المناسب لاتهاماتهم.

خامسًا: إصدار رئيس الجمهورية قرارات بإلغاء الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية ضد المدنيين وفقًا لقواعد التصديق على الأحكام الواردة في قانون القضاء العسكري المادة (98) حتى (116)؛ خاصة البند الرابع من المادة (99) من القانون سالف الذكر. والبدء في إعادة المحاكمة للمدنيين الصادر بحقهم أحكام من المحاكم العسكرية.

سادسًا: فتح حوار مجتمعي حول تعديل المادة (204) من الدستور لتمنع بشكل قاطع محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.