بعد زيارة السعودية.. هل ستحافظ بريطانيا على قيمها بعد الخروج الأوروبي؟

تُصارع المملكة المتحدة بين محاولاتها للحفاظ على قيمها والحفاظ مصالحها مع اقتراب خروجها رسميًا من الاتحاد الأوروبي، ويعتبر السبب الأساسي للتوتر في السياسة الخارجية هو الحرب القوية بين المصالح والقيم، وبين المثل العليا والسياسة الواقعية؛ ويخشى البعض أن تفقد بريطانيا هذه القيم بشراكاتها مع دول لا تحافظ على القيم التي تؤمن بها المملكة المتحدة.

ركّزت التغطية الإعلامية لزيارة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى السعودية على قرارها بعدم ارتداء الحجاب في لقائها مع عضو بارز في العائلة المالكة، وتجاهلت سبب زيارتها إلى المملكة المحافظة، التي تأتي في الوقت الذي تحاول فيه بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وأوضحت الحكومة البريطانية أن زيارة "ماي" تضع مسؤولية كبرى بشأن مناقشة روابط التعاون الأمني والتجاري بين الدولتين. وتضمّنت البيانات الصحفية الصادرة عن وزارة الخارجية البريطانية إحصائيات قالوا فيها إن السعودية تعتبر أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة في الشرق الأوسط؛ ففي عام 2015 وصلت صادرات المملكة المتحدة إلى السعودية حوالي 4.67 مليارات دولار، في حين وصلت مكاسب الشركات البريطانية التي تقدم خدمات في المملكة إلى حوالي 1.9 مليار دولار.

وفي الوقت الذي يقترب الخروج الرسمي للمملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، زادت التساؤلات حول تأثير ذلك على التجارة البريطانية. ويعتقد عديدون أن الحكومة البريطانية تأمل في التعاقد على ثنائيات تجارية مع مجلس التعاون الخليجي يمكن تنفيذها بعد الخروج مباشرة؛ كدليل على أن المملكة المتحدة لا زالت شريكًا مرغوبًا فيه. وفي الوقت نفسه، تأمل "وستمنستر" في التعاقد التجاري مع دول مجلس التعاون الخليجي خلال الخمس سنوات القادمة في شراكات تقدّر بـ30 مليار دولار.

واهتمت "ماي" أيضًا بالأمن الداخلي، وركزت على أهمية مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع السعودية. وقالت في تعليق نشرته صحيفة "بي بي سي" إن أمن الخليج أمنٌ للمملكة المتحدة، وازدهار الخليج ازدهارٌ للمملكة المتحدة.

ولم يتم التركيز على الجوانب الأكثر إشكالية في علاقة المملكة بالسعودية، التي قال النقاد إنها تقوّض التزام بريطانيا تجاه النظام الليبرالي الدولي، وهو نظام قائم على قواعد تدعمه المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة وحلف الناتو. وفي تصريح لوزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون العام الماضي، قال إن العالم قد يتعرض إلى خطر عودة نظام كان يسمح للدولة القوية أن تتلاعب بالدولة الضعيفة، وتعهّد بدعم القيم الليبرالية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ويقول النقاد إن العلاقات بين السعودية والمملكة المتحدة تقوّض هذا الموقف، وصنّفت الأمم المتحدة ومنظمات مثل العفو الدولية وهيومان رايتس واتش السعودية واحدة من أسوأ دول العالم انتهاكًا لحقوق الإنسان، في حين اتهم خبراء الأمم المتحدة السعودية بانتهاك القانون الدولي للإنسان خلال حملتها العسكرية في اليمن.

وتعتبر حملة السعودية في اليمن من أكبر الإشكاليات؛ حيث إن العلاقات التجارية بين السعودية والمملكة المتحدة مدعومة بمبيعات الأسلحة. ووفقًا لحملة مكافحة تجارة الأسلحة، وافقت المملكة المتحدة على مبيعات أسلحة بقيمة 3.3 مليارات دولار للمملكة في 2015، وهي جزء كبير من التجارة الشاملة بينهما.

ومن المتوقع أن يتم نقاش هذه الأزمات خلال الأسابيع القادمة. ويبحث قضاة المحكمة العليا البريطانية في الطعن القانوني بشأن مبيعات الأسلحة للسعودية، ووكلت للمحكمة مهمة تحديد وجود خطر كبير من عدمه بسبب انتهاك القوانين الدولية من السعودية، وما إذا كان يجب على المملكة وقف إمداد المملكة بالأسلحة.

وتقول الحكومة إنه ليس هناك أي دليل على كسر القانون الدولي. ووصف الوزراء الدلائل المقدمة من الأمم المتحدة بأنها غير مقنعة، في حين قالت الحكومة إن قيادة السعودية لتحقيق ذاتي في أفعالها هو أمر كاف. وقال أحد السياسيين المحافظين إنه إذا خسرت الحكومة القضية في المحكمة فيمكن أن تحاول تغيير قانون صادرات الأسلحة لتخفيف المعايير حتى يمكنها الاستمرار في التوريد إلى السعودية. وعلى الرغم من ذكر "ماي" للحرب اليمنية وتأكيدها على إيصال القلق بشأن الوضع الإنساني إلى الجانب السعودي خلال لقائها؛ اتضح أنه ليس ضمن أولوياتها.

في الوقت الذي تقترب فيه بريطانيا من الخروج من الاتحاد الأوروبي، تتصاعد التوترات بين القيم والمصالح. وسواء فازت الحكومة البريطانية بالقضية في المحكمة أو خسرتها؛ فإنها تعدّ تذكيرًا لمعضلات أخلاقية تحدث بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي.

المصدر