عن رابعة ... لحظة الحقيقة مع النفس

ليس ثمة مناسبة الآن للكتابة عن يوم مذبحة رابعة، ربما إلا كونها حدثا لم يتوارى بعد في ثنايا الذاكرة، ويأبى إلا التمثل دائما، حيا نابضا، كلما صمتت الأصوات أو خلوت بنفسي أو تاه تركيزي بين سطور كتاب.
 
لم أنم في الميدان ليلة واحدة. تعودت الانصراف إلى منزلي القريب، ثم العودة في اليوم التالي صباحا أو عصرا أو مساءا حسب الأحوال. ليلتها غادرت بعد منتصف الليل، وسط أحاديث معتادة ومتكررة عن احتمال قيام سلطات الانقلاب بالهجوم على الاعتصام.
 
في صلاة الفجر قابلت جاري، فأخبرني بتلقيه رسالة قبل نحو ساعة تطالبه بالتوجه للميدان. عدت للمنزل الخالي نظرا لسفر الزوجة، وظللت أتابع المستجدات حتى قرب السادسة دون أن يحدث شيئا. قلت لنفسي: ليلة أخرى من الشائعات سرعان ما انقضت، لكن ستأتي أخرى حتما، بالحقيقة دون شائعات.
 
دون سبب واضح عدت إلى الموبايل الصامت، فإذا باتصال من صديق يحمل خبرا قصيرا واضحا: بدأ فض الاعتصام وقوات الجيش والشرطة تحاصر الميدان!
 
خلال الساعتين التاليتين حدثت الأمور بشكل متسارع: اغتسلت .. صليت ركعتين ... تابعت ما تبثه المنصة عبر الفضائيات .. اتصال بالإخوان للتجمع عند مسجد السلام والتوجه للميدان .. كتابة وصية على عجل (للمرة الأولى للأسف) .. الشوارع الخالية إلا من مارة لا يفهمون ما يجري، لكنهم، مثلنا، أدركوا أن رائحة الموت تملأ الهواء. أخيرا وفي حدود العاشرة والنصف وصلنا على أعتاب الميدان من ناحية شارع الطيران، وبدأت محاولات الدخول التي ستستمر دون جدوى حتى نهاية اليوم.
 
تسللت أنا وعدة أفراد من أحد الشوارع الجانبية الضيقة، لم تكن لنا معرفة دقيقة بجغرافيا هذه التفرعات. فجأة وجدنا أنفسنا في مواجهة ثلاثة جنود من الأمن المركزي يصوبون مدافع الخرطوش استعداد لإطلاقها.
 
تراجعنا دون أمل تقريبا في تفادي هذه الطلقة المركزة من الخرطوش. ليس ثمة حجر للاختباء وراءه، بينما لا يفصلنا عن الجنود سوى أقل من 10 أمتار. أدركت أنه لا مفر من تلقي هذه الدفعة، فخفضت رأسي وظهري تفاديا لإصابة مميتة. بعد ثواني شق سكون الشارع الضيق صوت الطلقة، أعقبها عشرات الأصوات الناتجة عن اصطدام الطلقات بجدران ونوافذ البنايات المحيطة بنا. أطلق الجندي الطلقة فوق رؤوسنا، ربما لأنه رآنا نتراجع أو لقلة عددنا أو أيا كان مبرره. الأكيد بالنسبة لي في تلك اللحظة أن الأجل لم يحن بعد.
 
بعد نحو ساعتين، صلينا الظهر وصلاة الجنازة على أربعة أو خمسة شهداء لا أذكر؛ فيما تحول أحد المساجد في شارع جانبي متفرع من الطيران إلى مستشفى يضم عشرات الجرحى المصابين بالخرطوش والرصاص الحي.
 
استمرت المحاولات دون جدوى، ومع الوقت صارت بلا أمل. الشهداء والمصابون حولنا في تزايد، بينما أنباء سيطرة الجيش على الميدان تتوالى، وكذلك أنباء ارتقاء شهداء ممن نعرف داخل الميدان.
 
لم يعد لنا، أو لي على الأقل أملا في كسر الحصار عن الاعتصام، وأصبح هدفنا أن نتلقى بعض الطلقات وقنابل الغاز بالنيابة عنهم لعل ذلك يخفف من جرعة الموت الموجهة للاعتصام.
 
بين الحين والآخر أتلقى اتصالا قلقا من أختي ووالد زوجتي، فأعدوا مسرعا بعيدا عن صوت الرصاص وقنابل الغاز، وأختبئ في مدخل عمارة ثم أرد مدعيا أنني في البيت أتابع ما يحدث عبر الفضائيات. فقط زوجتي كانت تعلم أين أنا وماذا أفعل.
 
بعد الخامسة بقليل انسحبت. لا أجد تعبيرا أكثر دقة لوصف هذا القرار. لم تنته عملية فض الاعتصام بالكامل في ذلك التوقيت، ولم يخرج المحاصرون في الميدان بعد. ومازال هناك المئات أو الآلاف يحيطون بالميدان من كافة الجوانب، صحيح أن أغلبهم توقف عن المحاولة، لكنهم مازالوا هنا على أية حال. لم يكن هناك إذا معنى لهذا القرار إلا اليأس أو القهر أو التعب أو الخوف، أو هذا كله. المهم أنني في هذه اللحظة انسحبت مهزوما. والمهم أنها لحظة لم أتمتع فيها بالقوة والشجاعة الكافيتين للاستمرار.
 
عندما أسترجع هذه اللحظة أتسائل:
- هل أطلق ذلك الجندي مدفعه في الهواء فوق رؤوسنا لأنه وجدنا ننسحب من مواجته؟!
- هل لو انسحبنا إذا جميعا، كنا أبقينا على من رحل؟!
- أجيب: من قال أن الجبن يطيل العمر أو يؤخر الأجل؟!
- وهل تقصر الشجاعة والمواجهة الأجل أو تستعجله؟!
 
تعودت أن أترك هذه التساؤلا مفتوحة، دون السعي بوضع إجابات حاسمة. أحتاج إلى هذا التوبيخ والقلق أكثر من حاجتي للراحة والسكينة.
لكن الهروب من المذبحة لم ينته؛ فعلى عكس الجميع تقريبا لم أشاهد فيديوهات فض الاعتصام، حتى الآن، ولم أستمع إلى شهادات الناجين، ولم أحاول معرفة كافة التفاصيل. ثمة استثناءات بطبيعة الحال لكنها لا تجعلني أغير موقفي، على العكس تماما، ما إن يروي أحدهم موقفا أو يمر أمامي أحد المشاهد المصورة، إلا وتيقنت أن الانسحاب والهروب مازال خياري، وأنني غير مؤهل بعد لمواجهة المذبحة.
 
لا أدري حقا، هل كتابتي لهذه الكلمات أول تراجع عن الهروب والانسحاب أم إنها إقرار بهما لتبرير استمرار الهروب؟!
ما أعلمه يقينا أن "رابعة" لم تنته، وأنها كما أظهرت فينا قوة وبطولة وتضحية، أظهرت كذلك ضعفنا وحيرتنا. لم يجبرنا أحد على البقاء في الميدان والرهان على أعمارنا، ولم يجبرنا أحد على محاولة العودة إليه وقت الهول، كما لم يجبرني أحد على الانسحاب. كلها كانت خياراتنا، وقد تعلمنا بعد هذا اليوم أن نتحمل تبعات خياراتنا وألا نسمح لأحد أن يختار لنا.




هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه