محمد الشبراوي يكتب:

المرونة أقوى مضادات الفشل

في بعض الأحايين يتحرق المرء شوقًا بحثًا عن سلوكِ دربٍ ما، وبينما هو في هذا السبيل إذ بقشةٍ تقصم ظهر البعير، إذا به يحوّل اهتمامه عن الوجهة التي حسر لها عن قناعه وقام لها وقعد طويلاً، وقد يفسر ذلك على أنه نوع من الاستسلام أو من باب المرونة أو من باب عدم تحديد الأولويات؛ يفصل بين تلك التقسيمات نقطة توازي نقطة الغليان. نقطة غليان الماء لا تشير إلى أن جزيئات الماء كانت في دعةٍ وسكون قبيل الوصول لنقطة الغليان؛ فإن جزيئات الماء قد كشفت عن ساق، وقامت بترتيبٍ واتساق بتكسير عوائق وصولها لبغيتها فكسرت الروابط الهيدروجينية ثم تكاتفت مع بعضها واجتهدت لتصل لنقطة الغليان. بنفس هذا المنحى فإن الإنسان إذا لم يصل إلى هدفه المقصود؛ فإن هذا لا يلغي مجهوده السابق ولكن تعبه يكون غير ذي نفع، هذا يضع المرء أمام أحد أمرين: إما أن يستسلم، وإما أن يثابر.

المثابرة هنا ينضوي تحت لوائها المرونة. في حالات كثيرة قد نحتاج للقفز في المجهول ليس من باب اليأس وإنما من باب المرونة، وقد ترى أحدهم أسلم القياد خلافًا لرغباته؛ ليعيد ترتيب أوراقه ويرى الأمور من غير منظورٍ واحدٍ حتى ييتكون لديه نظرة أكثر شمولية، قد تكون بمثابة الباب الرئيس الذي يوصله لهدفه، في حين أنه يركب الأهوال والأخطار ليصل لهذا الهدف من سم الخياط. ببساطة قد تسعى لهدفٍ ما في حين أن الأقدار تنحو بك منحى مغايرًا، وهذا المنحى الجديد قد يكون بمثابة الكنز الذي لم يخطر لك على بال. حدث ذلك ويحدث إلى هذه اللحظة، ولكنه يعتمد على مدى ما يملكه المرء من مرونة للاستفادة من المعطيات الجديدة دون التعنت في سلوك الدرب الذي انتواه قبلًا.

هيرودوت خرج هربًا من اليونان وركب السفينة مذعورًا، وبعد تحرك السفينة علِم أنها تقصد مصر؛ كان بإمكانه البكاء على اللبن المسكوب والدخول في دوامة الاكتئاب، إلا أنه كان مرنًا وقرر أن يستفيد من الوضع القائم؛ فأصبح في طليعة مؤرخي اليونان. أنت سمعت عن كريستوفر كولومبوس، وقد كان يرمي لإيجاد طريقٍ مختصر يصل بين أوروبا والهند، وقد حاول .. إقناع مجلس شيوخ جنوة الإيطالية بالدعم المادي للاكتشاف، وقوبل طلبه بالرفض فعرج على هنري السابع ملك انجلترا فرفض مساعدته، ثم نقل طموحه إلى ملك البرتغال والذي أعطى له ظهره، فلم يتذرع كولومبوس بذلك فخطب ود ملك أسبانيا وطلب منه تمويل الرحلة الاستكشافية؛ فكان من ذلك أن اكتشف أمريكا الشمالية "العالم الجديد" عام 1498.

المرونة في تعاطي الأمور تستدعي استثمار الفرص السانحة دون الالتفات بعين الحسرة والندم لما قد فات من فرصٍ ثمينة، قد نعيد النظر لما سبق من باب الاعتبار، ولإعادة تصحيح الخلل الذي زلت فيه القدم دون الانزلاق في مستنقع جلد الذات، والابتعاد عن المغالطة في تناول الحقائق التي من شأنها زيادة تعقيد الموقف. المرونة هى التي ساهمت في انتشال إحدى الشركات التي تتصدر ساحة إنتاج مشروبات الطاقة اليوم من التردي في مهاوي الفشل. فإذا أردت أن تجني العسل فلا تركل الخلية، لا تتبرم ولا تنبري في النقد واللوم، فقط كن مرنًا واستعمل أساليب متنوعة للوصول للهدف المراد. يُضْرَبُ بمعاوية بن أبي سفيان المثل في المرونة في التعامل، فيقال: "لنحافِظَ على شعرةِ معاوية" إذ كان معاويةٌ يقول: "لو أنَّ بيني وبين العالمين شعرةً ما انقطعت؛ لو شدوها أرخيتها ولو أرخوها شددتها".

 

 

 




هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه