مشروعات زراعية سودانية تثير حرب مياه مع القاهرة

جاء إعلان السودان عن إقامة مشروعات زراعية باستثمار خليجي اعتمادًا على مياه النيل ليزيد الأمور اشتعالًا بين القاهرة والخرطوم؛ خاصة أنه من المتوقع أن تؤثر هذه المشروعات بالسلب على حصة مصر في مياه النيل، كما يتزامن ذلك مع أزمة سد النهضة والخلاف المصري السوداني بشأنه، فضلًا عن اتفاقية "عنتيبي".

وإذا ما تمّ المضي قدمًا في هذه المشروعات فلن يكون سد النهضة الإثيوبي وحده مصدر التهديد لحصة مصر من مياه النيل؛ فهذه المشروعات ربما تفاقم الأزمة في حال تنفيذ الخطة المعلنة لري هذه الزراعات الجديدة عبر قناة تخرج من النيل، بحسب ما يرى مراقبون وخبراء مياه في مصر.

ويأتي هذا الأمر في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة مياه، وصل معها نصيب الفرد منها إلى 680 مترًا مكعبًا سنويًا؛ أي على مقربة من حد الفقر المائي المحدد بـ500 متر مكعب سنويًا. وتعلن الحكومة المصرية عن خطة لاستصلاح 1.5 مليون فدان من أجل زيادة الرقعة الزراعية بنسبة 20%؛ حيث تمتلك مصر حاليًا نحو ثمانية ملايين فدان من الأراضي الزراعية.

تعاون سوداني سعودي

وقّعت السعودية أواخر العام 2015 أربع اتفاقيات مع الحكومة السودانية بقيمة 2.7 مليار دولار لتوفير الموارد المائية اللازمة لاستزراع نحو مليون فدان جديد على ضفاف نهري عطبرة وستيت في شرق السودان، من جملة نحو مائتي مليون فدان صالحة للزراعة في البلاد المزروع منها فعليًا أقل من 15%.

وتشمل الاستثمارات السعودية تمويل إنشاء ثلاثة سدود على النيل في شمال السودان تُنفذ خلال خمس سنوات، وفق تصريحات المسؤولين السودانيين عند توقيع الاتفاقية.

وتوصف السعودية حاليًا بأنها الحليف الاستراتيجي وصاحبة "النفوذ العميق" في السودان؛ فبعد معاقبة الرياض للخرطوم اقتصاديًا في عام 2014 بإيقاف تحويلات الصرف لأكثر من 500 ألف سوداني مقيم في المملكة، بما يساوي قيمته سبعة مليارات ريال سعودي، قامت الرياض خلال زيارة الرئيس السوداني بتنشيط الاقتصاد السوداني بعدة اتفاقيات انتشلته من أزمة الديون الخارجية، إضافة إلى توفير 370 ألف فرصة عمل جديدة.

ولم يزر البشير السعودية إلا بعدما أرسل قواته للمشاركة في حرب اليمن، وهي الحرب التي تسببت في توتر العلاقات بين مصر والسعودية عقب تصريح السيسي بأن "الجيش للوطن فقط"، قبل أن يتراجع ويعلن المشاركة رسميًا بعد غضب سعودي وضغوط إماراتية.

واشتملت الصفقة الجديدة على أربع اتفاقيات لتمويل سدود على نهر النيل بما قيمته مليارًا وربع المليار دولار، واتفاقية أخرى تقضي بزراعة نحو مليون فدان من الأراضي شرق السودان بميزانية 500 مليون دولار.

قلق وإزعاج

تسببت زيارة البشير وتوقيع الاتفاقيات في إزعاج القاهرة، التي رأت في هذه المشاريع التنموية خطرًا على أمنها المائي؛ خاصة بعدما أصبحت السعودية تحتكر 50% من النشاط الزراعي في السودان، وبعدما شهدت الزيارة نفسها تهديد البشير لمصر باللجوء إلى مجلس الأمن بسبب مثلث "حلايب وشلاتين".

أما الأزمة الكبرى التي تثير قلق خبراء الموارد المائية فهي أن تكون نهضة السودان الزراعية على حساب مصر؛ فالسدود السبعة التي موّلتها السعودية من أجل التوسع في المشاريع التنموية اعتبرتها الخارجية المصرية تعديًا صريحًا على حصتها المائية، لأن كل المشاريع تعتمد بشكل أساسي على نهر النيل؛ لذلك فالتوسع الزراعي في السودان ليس أقل خطرًا في نظر مصر من مشروع سد النهضة الإثيوبي الذي سيُعلن عن افتتاحه في هذا العام الجاري.

أزمة عنتيبي

على أرضية أخرى، هناك صراع يتعلق باتفاقية "عنتيبي"، التي تمثل تهديدًا مباشرًا لمصر أيضًا في حال التوقيع عليها. وبالرغم من أن الموقف السوداني تجاه الاتفاقية محسوم منذ أكثر من سبع سنوات؛ إلا أن هناك أصواتًا سودانية ظهرت مؤخرًا دعت البشير إلى التوقيع على الاتفاقية، أبرزها حزب "الأمة" أكبر الأحزاب المعارضة.

كما نقلت صحيفة "البيان" الإماراتية عن مصادر سودانية قولها إن "السودان يسعى للانضمام إلى "عنتيبي"، ونقلت أيضًا قناة الجزيرة القطرية تصريحات خبراء سودانيين في ملف النيل أكدوا أن بلادهم تدرس الانضمام إلى الاتفاقية؛ نظرًا لأن تحفظات الخرطوم عليها ليست كثيرة ويمكن تجاوزها، كما أن الرئيس السوداني قد يستغل علاقاته القوية بدول حوض النيل لوضع شروط مسبقة لانضمام بلاده.

وبموجب القانون الدولي، من الممكن أن تدخل اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ في حال "مصادقة ثلثي دول حوض النيل"، أي سبع دول من أصل 11. وبالرغم أن بوروندي وافقت على الاتفاقية؛ إلا أنها لم تُصدّق عليها؛ مما يعني أن النصاب القانوني لن يكتمل إلا بتوقيع دولة واحدة.

"المثلث" مقابل التوقيع

بحسب دراسة مصرية بعنوان "الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل: دراسة في التدخلات الخارجية"، فإن السودان لن يتضرر بدرجة كبيرة في حال انضمامه إلى عنتيبي؛ نظرًا لأن نهر النيل في حقيقته لا يمثل له أهمية كبيرة بالمقارنة إلى موارده المائية الأخرى، التي تتمثل في أكثر من 11 نهرًا، إضافة إلى الأمطار الغزيرة والمياه الجوفية؛ فالخرطوم تعتمد على 15% فقط من نهر النيل، بينما تعتمد مصر على أكثر من 95%.

لذلك؛ يستطيع السودان حرمان مصر من حصتها الكبرى في نهر النيل بالتوقيع على "عنتيبي". وبالنظر إلى الخلاف القائم بين الدولتين بسبب أزمة "حلايب وشلاتين"، فإن السودان قد يتخذ أي إجراء لمعاقبة مصر في حال فشل المفاوضات.

من جانبه، يقول وزير الري الأسبق الدكتور محمود أبو زيد إن "مصر تعلم جيدًا أن السودان غير متمسك بالرفض بدرجة القاهرة نفسها، كما أن البشير حاليًا يعلم أن الدول الموقعة على عنتيبي في حاجة إلى انضمام السودان؛ حتى تصبح الاتفاقية سارية التنفيذ على  كل دول حوض النيل".

وأضاف، في تصريحات صحفية، أنه "قد تحدث مساومات سرية وضمانات علنية تشجع الخرطوم على الانضمام؛ أبرزها المشاريع الاقتصادية الكبيرة التي سيتكفل بها الاتحاد الإفريقي في الخرطوم، ومن المؤكد أن السودان لن يرفضها في الوقت الذي بدأ فيه نهضته، وهو الوقت نفسه الذي يشهد فيه خلافًا مع القاهرة قد يطول أمد بقائه فيه لوقت غير معلوم، واتجه الطرفان لتوقيع اتفاق أسمياه (ميثاق شرف إعلامي) لوقف التراشق بينهما".

توتر العلاقات

وشهدت العلاقات المصرية السودانية توترًا متصاعدًا، مع تراشق إعلامي؛ بسبب ملفات عالقة ربما تزداد تدهورًا بسبب الاستثمارات الزراعية الخليجية. ورغم زيارة وزير الخارجية المصري للخرطوم مؤخرًا؛ إلا أن التأزم عاد إلى المواقف، وتم منع صحفيين سودانيين من دخول مصر مؤخرًا.

وفي هذا السياق، يقول خبير المياه المصري أحمد الشناوي إن "السودان إذا أصرَّ على استخدام مياه النيل في الزراعات الجديدة يحق لمصر، التي ستتضرر، مخاطبة السودان باعتراضها".

وأضاف، في تصريحات صحفية، أن "هناك مقترحًا سودانيًا باقتطاع ستة أمتار من ضفاف النهر لصالح الاستزراع، دون التزام بالاتفاقيات الدولية التي تقول إن مياه النهر لمن يستهلكها وفق الاستخدام الفعلي دون إضرار بالدول المتشاطئة".

وأوضح الشناوي أن "لكل دول النهر أن تقدم المشروعات المرجوة، ولو جرى خلاف بشأنها يتم تقديمها إلى مُحكّمين دوليين، أو منظمة WMO المختصة بتنظيم الموارد المائية ونواحي المناخ". وبحسب رأيه، فإن "التوسع في مشاريع الزراعة بالسودان سيؤثر حتمًا على حصة مصر من المياه؛ وبالتالي القلق المصري مشروع، والقانون الدولي يمكن أن ينصفها لو كانت هناك إرادة لدى الإدارة".