اتفاقية دول حوض النيل تجدد جرح مصر المائي

بتحديد أوغندا  يوم 25 مايو موعدًا لعقد القمة الرئاسية لدول حوض النيل، لحل الخلاف القائم بين دول المنبع، تدخل مصر معركة أخري في جرح المياه النازف، فما تكاد تخرج من مفاوضات أزمة سد النهضة إلا وتظهر لها مشكلة المشروعات السودانية علي مياه النيل ويليها ملف اتفاقية "عنتيبي" وأزمة دول حوض النيل.

ورغم أن بعض الخبراء يري أن دعوة أوغندا لعقد قمة يوم 25 مايو الشهر الجارىـ هو أمر إيجابى وتحوّل في العلاقات مع دول حوض النيل إلا انه ، يبقي التساؤل: هل ستقوم  مصر باستغلال هذه القمة في انهاء الخلاف والتوصل إلى حل يرضى جميع الأطراف حول الحصص المائية وسد النهضة الأثيوبى ؟

ويرجع الخبراء الإجابة علي هذا السؤال إلي  إصرار مصر على الموارد المائية وعدم التفريط  فيها بناءً على إتفاقية عام 1929 والتي وقعها الاستعمار البريطاني نيابة عن كلا من مصر والسودان.

نص الاتفاقية

وتنص اتفاقية عنتيبي، على أن "مرتكزات التعاون بين دول مبادرة حوض النيل تعتمد على الانتفاع المنصف والمعقول من موارد مياه المنظومة المائية للنهر النيل".

والدول التي صادقت برلماناتها على الاتفاقية حتى اليوم هي: إثيوبيا، كينيا، رواندا، تنزانيا، وأوغندا، ولا يكون الانضمام نهائيا وساري المفعول إلا بعد هذه المصادقة.

ويضم حوض نهر النيل 11 دولة، هي: إريتريا، أوغندا، إثيوبيا، السودان، جنوب السودان، مصر، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، تنزانيا، رواندا، وكينيا

وتبلغ حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب من المياه، بينما تحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب، وتعرب القاهرة عن مخاوف عديدة جراء "سد النهضة" الذي تبنيه إثيوبيا. 

وفي فبراير 1999، وقعت دول حوض النيل مبادرة في تنزانيا بهدف تدعيم أواصر التعاون الإقليمي.

وفي 2010، علقت كل من القاهرة والخرطوم، نشاطهما في المبادرة عقب توقيع باقي الدول على اتفاقية إطارية في مدينة عنتيبي الأوغندية، باعتبارها تقلص حصصهم التاريخية من مياه النيل

إلا أنه في ديسمبر الماضي، اجتمع السيسي في القاهرة مع وزراء المياه والري لعدد من دول حوض النيل، تشمل كلا من السودان، تنزانيا، أوغندا، جنوب السودان، وبوروندي، مؤكدا "اهتمام القاهرة بالتوصل إلى حل توافقي بمسألة الاتفاق الإطاري لدول حوض النيل، بحيث يكون اتفاقااشاملاً يضمن الأمن المائي لجميع أطرافه

شكري في أوغندا

وبحث وزير الخارجية المصري، سامح شكري، أمس الثلاثاء، مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ترتيبات القمة الرئاسية الأولى لدول حوض النيل المقررة 25 مايو المقبل.

وقالت الخارجية المصرية، في بيان، إن شكري التقى اليوم الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في مدينة عنتيبي بأوغندا، "وسلمه رسالة من شقيقه الرئيس عبد الفتاح السيسي تتناول العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها في كافة المجالات".

وأوضح البيان أن "الشق الرئيسي من اللقاء هدف إلى التشاور حول الإعداد الجيد والترتيبات لعقد قمة دول حوض النيل التي دعا لعقدها الرئيس الأوغندي، وذلك في إطار رئاسة أوغندا للمجلس الوزاري لدول مبادرة حوض النيل".

من جانبه، رحب الرئيس الأوغندي بوزير الخارجية المصري حسب البيان ، مؤكداً على "التواصل الدائم والتشاور مع الرئيس المصري في كافة القضايا محل الاهتمام المشترك"، وفق البيان.

 

تاريخ الاتفاقيات

وللتعرف علي تاريخ الاتفاقيات الخاصة يمكننا قراءة في الدراسة التي أعدها الباحث عمر فضل الله المتخصص في شئون المياه  والتي تناول فيها  تفاصيل وتاريخية الاتفاقيات بشان مياه النيل وجاءت الدراسة تحت عنوان "الإطار التعاوني لحوض النيل" وجاء في الدراسة :

كانت الدول المتشاطئة على نهر النيل في السابق مستعمرات لدول أجنبية قبل أن ‏تحصل على استقلالها، وفي ذلك الأثناء ظهرت أولى الاتفاقيات لتقسيم مياه النيل ‏عام 1902في أديس أبابا والتي عقدت بين إثيوبيا وبريطانيا ‏)بصفتها ممثلاً للسودان ‏ومصر المستعمرتين(‏ من بريطانيا، ونصَّت الاتفاقية على عدم إقامة أي مشروعات – ‏سواء على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا ونهر السوباط، ثم اتفاقية بين بريطانيا وفرنسا، ‏عام 1906، وظهرت عام 1929 اتفاقية أخرى، تتضمن إقرار دول الحوض بحصة ‏مصر المكتسبة من مياه‏ النيل، وأن لمصر الحق في الاعتراض في حال إنشاء هذه الدول ‏مشروعات جديدة على النهر وروافده.

وهذه الاتفاقية أجرتها بريطانيا مع نفسه حيث ‏كانت تمثل كينيا وتنزانيا والسودان وأوغندا وجميعها كانت مستعمرات بريطانية ‏لتنظيم استفادة مصر من بحيرة فيكتوريا. حيث تم تخصيص نسبة 7.7٪ من تدفق ‏المياه للسودان و92.3٪ لمصر وذلك قبل استقلال أي من الدولتين.‏ ‏

وتعتبر اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل والتي بدأت في منتصف ستينيات ‏القرن الماضي هي نقطة الخلاف التي أثارت المشكلة وقد كانت هذه الإتفاقية رد فعل ‏للإرتفاع المفاجئ والكبير لمنسوب المياه في بحيرة فكتوريا أدى إلى مشكلات كبيرة في كل ‏من تنزانيا واوغندا وكينيا.

 ويعتقد أن من أسباب هذا الارتفاع تراكم نباتات المستنقعات ‏في منطقة جنوب السودان والتي تقف عقبة تمنع الانسياب الطبيعي للنيل، بالإضافة ‏إلى ظهور السد العالي في مصر والذي حجز مياه النيل فأدى إلى ارتفاع منسوب مياه ‏بحيرة فكتوريا.‏

ولهذه الأسباب فقد دعت دول البحيرات الإستوائية كلاً من السودان ومصر وأثيوبيا ‏لمناقشة هذه المسألة تحت مظلة برنامج المسح المائي للبحيرات الإستوائية والذي ‏ساهمت الأمم المتحدة في تمويله وتسهيل إجراءاته. ‏

تواصلت لقاءت وإجتماعات دول الحوض تحت عدة مظلات لاحقة من بينها النيل ‏الفني، والأخوّة، والنيل لعام 2000. وفي عام 1997 برزت فكرة مبادرة حوض النيل ‏والتي أخذت شكلها الرسمي في 22 فبراير 1999 في مدينة أروشا في تنزانيا إثر توقيع ‏وزراء المياه لدول الحوض بالأحرف الأولى على وقائع الإجتماع الذي أسس لقيام مبادرة ‏حوض النيل. وقد اتفق الوزراء على أن الهدف من المبادرة هو تحقيق التنمية ‏الإقتصادية والإجتماعية المستدامة من خلال الإنتفاع المنصف والمنافع من موارد النيل ‏المشتركة.‏

وقام البنك الدولي وعددٌ من منظمات الأمم المتحدة والمانحون بدورٍ تسهيليٍ للمبادرة ‏والتي نجحت في عدّة مجالات من بينها إنشاء سكرتارية بمدينة عنتيبي في اوغندا ومكتب ‏للنيل الشرقي بأديس أبابا ومكتب لنيل البحيرات الإستوائية بمدينة كيغالي بدولة رواندا ‏وتمويل عددٍ من المشاريع المشتركة. وبدأ العمل قبل عدّة أعوام في إتفاقية الإطار ‏التعاوني لحوض النيل.

منذ بداية المناقشات واجهت مفاوضات اتفاقية الإطار التعاوني نفس نقاط الخلاف ‏التي تواجهها اليوم وتشمل :

 

‏1.‏ اتفاقية 1929: السودان ومصر كانا يصران على أن الاتفاقيات التي عقدت في الماضى ملزمةٌ ‏لدول الحوض الأخرى، و تحديداً اتفاقية 1929 التي أبرمتها بريطانيا نيابةً عن ‏السودان وكينيا ويوغندا وتنجانيقا والتي كانت ضمن مستعمراتها في ذلك الحين مع ‏مصر.

هذه الإتفاقية أعطت مصر حق النقض لأي مشاريع تقام علي النيل يمكن ‏أن تؤثر سلباً على كميات المياه التي تصل مصر أوتعدل وقت وصولها.

وبينما تصر ‏مصر على إلزامية هذه الإتفاقية تحت نظرية توارث الإتفاقيات، ترفضها دول ‏البحيرات الإستوائية باعتبار أنها وُقّعت أثناء الحقبة الإستعمارية ولا إلزامية لهذه ‏الإتفاقية بعد نهاية هذه الحقبة. ولقد قامت هذه الدول بعد استقلالها مباشرةً تحت ‏نظرية جوليوس نايريرى -الرئيس الأول لتنزانيا- بإعطاء إتفاقيات الحقبة ‏الإستعمارية عامين للتفاوض حولها وإذا لم يتم الإتفاق على وضعٍ جديد فإن هذه ‏الإتفاقيات تسقط بعد هذين العامين.‏

 

‏2.‏ و هناك أيضاً إتفاقية عام 1902 بين إدارة الحكم الثنائي في السودان وأثيوبيا والتي ‏ألزمت أثيوبيا بعدم التعرض لسريان النيل بدون موافقة الإدارة الثنائية في ‏السودان. مصر أصرت علي إلزامية هذه الإتفاقية بينما تقول أثيوبيا أن النص ‏الإنجليزي والنص باللغة الأمهرية مختلفان وأن الإتفاقية لم يتم التصديق عليها ‏وبالتالي فليس لها صفة إلزامية.

بالإضافة الى هذا يصر السودان ومصر على أن ‏استعمالاتهما وحقوقهما القائمة والمشار إليها في إتفاقية مياه النيل لعام 1959 ‏‏(55,5 مليار متر مكعب لمصر و18,5 مليار متر مكعب للسودان) غير قابلة ‏للتفاوض وخطّاً أحمر لا يمكن عبوره، بينما تصر الدول الأخرى على أنّ لها حقوقاً ‏في مياه النيل تحت نظرية الإنتفاع المنصف والمعقول وأنه يجب على مصر ‏والسودان الإعتراف بهذه الحقوق والتفاوض حولها. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ بعض ‏المسئولين في السودان ومصر يذكرون أحياناً، صراحةً أو ضمناً، أن إتفاقية مياه ‏النيل بين مصر والسودان لعام 1959 ملزمةٌ لدول النيل الأخرى

 

‏3.‏ الخلاف الثالث يتركز حول إصرار السودان ومصر على ضرورة الإخطار المسبق ‏لهما حول أي مشاريع تنوي دول حوض النيل الأخرى إقامتها على نهر النيل. ويبدو ‏هنا الربط واضحا بين هذا الطلب وإتفاقية 1929 التي تعطي مصر حق النقض ‏حول أي مشاريع قد تؤثر عليها. من ناحيةٍ أخرى ترفض الدول الأخرى مبدأ الإخطار ‏وتدعي أن السودان ومصر لم يقوما بإخطار أيٍ منها بأي مشاريع أقامتها هاتان ‏الدولتان على النيل وعليه فلا ترى هذه الدول أي إلزامٍ من جانبها لإخطارهما ‏بمشاريعها.

 الجدير بالذكر أن القانون الدولي يلزم كل دول الحوض بإخطار بعضها ‏البعض بأي مشاريع تقام على النهر المشترك لأن التأثيرات التي قد تنتج من هذه ‏المشاريع قد تمتد لكل الدول المشاطئة الأخرى. فمشاريع أثيوبيا على النيل قد تؤثر ‏سلباً على السودان ومصر، وكذلك قد تؤثر مشاريع السودان ومصر على أثيوبيا ‏لأن هذه المشاريع ستساعدهما على إستعمال مزيدٍ من المياه وسيقوم السودان ‏ومصر بالإدعاء لاحقاٍ بأن هذه المياه أصبحت حقوقاً مُكتسبة.

 

‏4.‏ نقطة الخلاف الرابعة تخص تعديل إتفاقية الإطار التعاوني. فبينما يرى السودان ‏ومصر أن التعديل يجب أن يتم بموافقة كل الدول أو بالأغلبية على أن تشمل ‏هذه الأغلبية السودان ومصر، تصر الدول الأخرى على أن يتم التعديل بالأغلبية ‏دون تحديد أي دول ضمن هذه الأغلبية.

 

يتضح مما قدمنا أن نقاط الخلاف كبيرة وجوهرية، وبذلك يتضح جلياً لماذا انهار ‏إجتماع كنشاسا في مايو عام 2009 ولم تنجح المفاوضات المكثّفة التي تمت خلال ‏الأثني عشر شهرأ اللاحقة ولا إجتماعا الإسكندرية وشرم الشيخ في حل هذه الخلافات ‏أو حتى تضييق الهوة بين الأطراف. ‏

 

وبعد إنهيار المفاوضات قامت إثيوبيا وتنزانيا ويوغندا ورواندا في أبريل 2010 بالتوقيع ‏على الإتفاقية ولحقت بهم كينيا بعد شهر واحد. ولم تُوقع بوروندي والكونغو على ‏الإتفاقية كما كان متوقعاً في ذلك الوقت. وبما أنّ الإتفاقية تحتاج إلى تصديق ستّ ‏دول فقد ظلت غير قادرة على الدخول لحيز التنفيذ إلى أن قامت دولة بوروندي ‏بالتوقيع. تجدر الإشارة هنا إلى أن أريتريا ليست عضواً في مبادرة حوض النيل وبالتالي لا ‏يتوقع منها أن تُوقع على إتفاقية الإطار التعاوني.

 

وقفت دولة بوروندي مع دول المنبع الأخرى في إتفاقية الإطار التعاوني ووقّعت على بيان ‏كنشاسا معها وتعهدت بالتوقيع على الإتفاقية. ولكن بوروندي تراجعت عن موقفها ‏المؤيد للإتفاقية ولم تُوقع عليها عندما وقعّت دول المنبع الأخرى، كما أنها لم توضّح ‏موقفها من الإتفاقية. ثم فجأة قررت بوروندي التوقيع على الإتفاقية بعد أكثر من ‏عشرة أشهر من توقيع الدول الأخرى وذلك في الثامن والعشرين من فبراير 2011 ‏والسبب هو أنّ بوروندي قد أحست أن دولة جنوب السودان ستنضم إلى الإتفاقية ‏حال إعلان ميلادها في يوليو وبالتالي سيرتفع عدد الدول الموقّعة على الإتفاقية إلى ‏ستّ، ولن تحتاج هذه الدول إلى بوروندي بعد ذلك، عليه سارعت الأخيرة بالتوقيع ‏لترسم لنفسها دوراً قبل أن تحرمها دولة جنوب السودان منه.‏

 

السبب الآخر وكان واضحاً إن إنضمام بوروندي إلى الإتفاقية سيؤدي إلى إنضمام دولة ‏الكونغو الديمقراطية أيضاً لأن الكونغو لن تريد أن تبقى بمفردها خارج حلقة ‏الإتفاقية. ‏

 

اتفاقية عنتيبي

بلغ الاستقطاب في الموقفين الإثيوبي والمصري، بعد ذلك ذروته، مع توقيع اتفاق عنتيبي ‏في 14 مايو2010، وتوالي انضمام دول الحوض إليه وكان واضحاً أن هذا الأمر ‏سيضرب الأمن القومي للسودان ومصر في الصميم، حيث إن الاتفاق الجديد يأخذ ‏قضايا المياه إلي مسار بعيد عن مبادرة حوض النيل، الموقعة عام 1999. كما أنه يعني ‏ضمنيا عدم الاعتراف بالحقوق التاريخية والمكتسبة لدولتي المصب السودان ومصر ‏بموجب اتفاقيتي 1929، و1995‏.

 

مصر أعلنت موقفها الرسمي بأن مصر لن توقع على الاتفاقية الإطارية ما لم تنصّ ‏صراحة على ضمان حصتها من مياه النيل، إلا إذا أصبحت شروطها ملائمة، معتبراً أن ‏الاتفاقية دون توقيع القاهرة والخرطوم لا جدوى لها.‏ ‏

لو وقع السودان على اتفاقية عنتيبي فإنها تدخل حيز التنفيذ فوراً نظراً لاكتمال عدد ‏الدول الموقعة وهو الثلثان من جملة الأعضاء الأحد عشر وبذلك ينهي الحصص ‏التاريخية للدولتين “55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان”، ‏بعدما نص الاتفاق الذي وقع في مدينة عنتيبي الأوغندية على أن مرتكزات التعاون بين ‏دول مبادرة حوض النيل تعتمد على الاستخدام المنصف والمعقول للدول، بأن تنتفع ‏دول مبادرة حوض النيل انتفاعاً منصفاً ومعقولاً من موارد مياه المنظومة المائية لنهر ‏النيل، على وجه الخصوص الموارد المائية التي يمكن تطويرها بواسطة دول مبادرة ‏حوض النيل وفق رؤية لانتفاع معقول.‏

ومن ناحية أخرى، حملت أزمة الخلاف حول نصوص الاتفاقية الإطارية وكيفية ‏والطريقة التي تعاملت بها مجموعة الدول التي وقعت اتفاقية عنتيبي، مؤشرات ‏وإشارات أخري كثيرة إلى أن مكانة مصر وثقلها الإقليمي في حالة تراجع كبير. وقد ساد ‏الإحساس لدي قطاع كبير من المهتمين والمتابعين بأن الأزمة ليست مقتصرة على ‏مطالبات من دول المنابع بشأن احتياجاتها التنموية، وأن الأوضاع الحالية للأزمة تبين ‏أن أبعاد الخلاف تتخطي الجوانب الفنية أو المطالب التنموية إلى أبعاد أخري، تتصل ‏بقضايا السياسة، والتاريخ، والسياسات والطموحات المرتبطة بتفاعلات وأوضاع ‏إقليمية، وأخرى دولية.‏

الأزمة الحالية بين السودان ومصر والتي بلغ التوتر فيها حدته جراء إصرار مصر على ‏الاحتفاظ بمثلث حلايب المحتل منذ عام 1990 جعلت السودان يلوح باستعمال ‏خياراته المائية بالتوقيع على اتفاقية عنتيبي من جانبه والذي سيكون قاصمة الظهر ‏لأطماع مصر في الاحتفاظ بحصتها من مياه النيل. خاصة وأن الاتفاقية لم تدخل حيز ‏التنفيذ حتى الآن نظراً لميلاد دولة جديدة من دول الحوض هي جنوب السودان وبذلك ‏احتاجت الاتفاقية لتوقيع عضو واحد فقط إضافي ليبلغ النصاب الثلثين. خاصة وأن ‏هذا المتغير الجديد المتمثل في انفصال جنوب السودان وتحوله إلى دولة مستقلة، يعني ‏المزيد من التعقيدات التي سوف تواجه مشروعات استقطاب الفواقد التي كانت مصر ‏تعول عليها في الحصول على كميات إضافية من المياه، تعينها على سد الفجوة المتزايدة ‏في احتياجاتها. ‏

مصر كانت تعتمد على موقف السودان في عدم التوقيع على الاتفاقية مما يشكل بذلك ‏المزيد من الضغط السياسي والدبلوماسي على دول الحوض الموقعة على الاتفاقية إلا ‏أن انضمام السودان للتوقيع سيحرق آخر كروت مصر في أي عمل لوقف تنفيذ ‏الاتفاقية وستصبح مصر وحيدة في مواجهة جميع دول حوض النيل فتصبح بذلك هي ‏الجانب الأضعف علماً بأن مصر ظلّت تستخدم أكثر من 60 مليار متر مكعب من مياه ‏النيل سنوياً منذ توقيع اتفاقية عام 1959 عندما كان عدد سكانها حوالي 22 مليون ‏نسمة. أما الآن وقد تجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة فمن المؤكّد أن مصر في حاجةٍ ‏إلى مياه إضافية لن تتأتّى إلّا بالتعاون مع دول النيل الأخرى. وأنه لا بد من التذكير أن ‏مصر تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها من القمح، وهذا يجعلها أكبر مستوردٍ ‏‏(ومستهلكٍ) للقمح في العالم رغم استعمالها لقدرٍ مهولٍ من مياه النيل. وهذا بالتأكيد ‏سببٌ آخر يجعل مصر في موقف لا تحسد عليه في مواجهة اتفاقية عنتبي ولن تتمكن ‏من الاحتفاظ بنصيبها من المياه إلا من خلال التعاون مع دول حوض النيل الأخرى على ‏سبلٍ لزيادة مياه نهر النيل وزيادة نصيب مصر منها لمقابلة احتياجاتها المتزايدة من ‏القمح والمواد الغذائية الأخرى.‏

وعند حساب الأرباح والخسائر وحساب المصالح والمضار الناجمة عن توقيع السودان ‏على اتفاقية عنتيبي نجد أن السودان لن يخسر شيئاً بالتوقيع على الاتفاقية ‏والانضمام إليها فالسودان لم يستهلك نصيبه القانوني من المياه في أي عام من الأعوام ‏على امتداد تاريخ الاتفاقيات علماً بأنه حتى لو لم يتم تحديد أي نصيب للسودان من ‏المياه فسوف لن تتمكن دول المنبع من حجز كل مياه النيل خلف سدودها فهي ليست ‏محتاجة لذلك بل إن احتجاز كل الماء هو من المهددات البيئية لتلك الدول فالسودان ‏سينال نصيبه من المياه في جميع الأحول والمتضرر الأول من الاتفاقية هي مصر.

‏ أراء الخبراء

وقال خبراء إن مصر تنازلت عن حصتها التاريخية في مياه النيل المرتبطة بالاتفاقيات الدولية التي تعود إلى عام 1929، واكتفت في المفاوضات بإيجاد إشارة مسبقة إلى زيادة  حصص المياه لدول المنبع، بالإضافة إلى وضع ضمانات لوصول المياه لدولتي المصب دون تحديد لكميات المياه الواصلة.

وفي هذا السياق؛ أوضح وزير الري الأسبق، محمود أبو زيد، أن دول حوض النيل بقيادة إثيوبيا؛ مجمعة على أن مصر لا تستحق حصتها التاريخية في المياه،

 مضيفا في تصريحات صحفية، أن مصر قدمت مبادرة لحل الخلاف حول اتفاقية "عنتيبي" تتضمن التوقيع على وثيقة جديدة تشبه اتفاق المبادئ الذي وقعه السيسي مع رؤساء السودان وإثيوبيا لإدارة مياه النيل وفقا لآليات التعاون المشترك".

من جانبه؛ قال وكيل وزارة الخارجية الأسبق، السفير إبراهيم يسري، إن مصر لم يعد أمامها فرص للتفاوض، أو أوراق ضغط بخصوص مفاوضات سد النهضة، أو المباحثات حول اتفاقية عنتيبي مع حوض النيل، مؤكدا أن إثيوبيا تكاد تنتهي من بناء سد النهضة "ولن تتراجع".

وأضاف يسري في تصريحات  صحفية "أن دون دول حوض النيل بدأت تفعيل اتفاقية "عنتيبي" دون اهتمام بتوقيع مصر عليها، مشيرا إلى أن مصر "بدأت تتصرف بما يشبه الاستسلام، وتنازلت عن حقوقها التاريخية في مياه النيل".