الإعلاميون المقدسيون.. عندما تكون صحفيا في مدينة محتلة

بحلول "اليوم العالمي لحرية الصحافة"، تظل الانتهاكات التي يتعرض إليها الصحفيون في مدينة القدس ذات طابع مختلف عن نظرائهم في العالم. ورغم إعلان منظمة اليونسكو أن هذا اليوم يحلّ والخطورة تهدد صحفيي العالم بنحو غير مسبوق، وإعلان منظمة "مراسلون بلا حدود" أن ثمة 72 دولة يمثل الوجود بأيٍّ منها خطورةً بالغة على الصحفيين؛ يظل صحفيو القدس رقمًا مناوئًا لأعداء الصحافة وللاحتلال الإسرائيلي في آن واحد.

ولا تقتصر اعتداءات الاحتلال على الصحفيين على عرقلة عملهم من خلال القمع والضرب والتنكيل بهم، بل تمتد إلى الاستدعاء والاعتقال والتحقيق والتحويل إلى السجن الفعلي أو الاعتقال الإداري.

ويعتبر الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة من مناسبات الأمم المتحدة التي رفعت هذا العام شعار "العقول الحاسمة في الأوقات الحرجة: دور وسائل الإعلام في دفع عملية السلام وتعزيز المجتمعات العادلة".

واختير هذا التوقيت من كل عام إحياءً لذكرى اعتماد إعلان "ويندهوك" في اجتماع للصحفيين الإفريقيين نظّمته اليونسكو عام 1991، وينص على أنه لا يمكن تحقيق حرية الصحافة إلا بضمان بيئة إعلامية حرة قائمة على التعددية، إضافة إلى ضمان أمن الصحفيين أثناء تأدية مهامهم، وكفالة التحقيق في الجرائم ضد حرية الصحافة تحقيقًا سريعًا ودقيقًا.

أحدث المستجدات

نظّم أهالي الأسرى المقدسيين وقفة سلمية مناصرة لذويهم المُضرِبين عن الطعام في السجون الإسرائيلية في باب العامود بالقدس.

وكانت مراسلة قناة الكوفية الفلسطينية "نوال حجازي" من أكثر الصحفيين هناك تلقيًا للاعتداءات من قبل قوات الاحتلال، التي أرادت منع الصحافة بشكل عام من تغطية الوقفة أو تصوير أيّ من ملامحها.

وقالت نوال في تصريحات صحفية إن هذا الاعتداء لم يكن الأول بحقها، لكنه الأعنف؛ إذ كانت تقف إلى جانب الصحفيين لتغطية الفعالية قبل أن تقرر قوات الاحتلال الخاصة قمع الوقفة التضامنية بشكل مفاجئ.

وأضافت: "كنتُ أصورُ مقطع فيديو بهاتفي المحمول؛ لأُفاجأ بالقوات الخاصة تنهال عليّ بالضرب المبرح وتطرحني أرضًا، ثم اقترب أحدهم وداس عليّ بحذائه العسكري ومضى، وساعدني شُبانٌ من حولي للنهوض من جديد".

مراسلة قناة الكوفية بعد أن ألقاها أحد جنود الاحتلال أرضا

مراسلة قناة الكوفية بعد أن ألقاها جندي من الاحتلال أرضًا

ورغم آلام الرضوض (كدمات تنجم عن ارتطام عضو من الجسم بشيء صلب وقد تصل إلى كسر) التي ما زالت تُقلق راحة نوال، أصرّت على إكمال مهمتها الصحفية في ذات اليوم والتوجه إلى عملها في اليوم التالي كالمعتاد. وقالت إن الرسالة الوطنية التي يحملها الصحفي المقدسي تتطلب منه تجاهل آلامه والمضي قدمًا في خدمة المدينة وأهلها، مؤكدة أن الانتهاكات التي تعرضت إليها لم تزدها إلا صلابة وصمودًا.

معاملة احتلال

من جانبه، يرى الصحفي الأردني ناجي بو فهيد أن الاحتلال عندما يواجه الصحافة في القدس على وجه الخصوص يتعامل معها كمحتلٍ لصاحب الأرض نفسه، بل أقسى من ذلك؛ لأنه يعلم أن هذا الصحفي مهما كان موضوعيًا فهو متعاطف بطبيعة الحال مع الفلسطيني صاحب الأرض، فضلا عن علمه بأن الصحافة كاشفة للحقيقة، ولو أن الاحتلال لا يؤدي عملًا مخالفًا للقوانين والأعراف لما سعى إلى منع الصحفيين من العمل في القدس وتغطية الفعاليات هناك.

ويتابع في تصريحات خاصة لـ"رصد": جرّبتُ التغطية بالقدس لمرة واحدة عام 2008، وكانت المعاملة من قبل قوات الاحتلال غاشمة، وتعرّض زملاؤنا إلى استدعاءات؛ بل واعتقالات إدارية، وتم الإفراج عنهم فيما بعد.

وناشد بو فهيد الأمم المتحدة أن تُولي قضايا الصحفيين مزيدًا من الاهتمام، خاصة المقدسيين منهم؛ وذلك عبر منظمة اليونسكو التي لا تتجاوز مواقفها فيما يخص الصحفيين إصدار البيانات والمناشدات فقط.

الذاكرة لا تتسع

وقال المصور الصحفي المقدسي فايز أبو رميلة إن ذاكرته لم تعد تتسع لحوادث الانتهاكات التي تعرض إليها منذ بداية حياته العملية عام 2010؛ لكن أحدثها في منتصف أبريل الماضي حين توثيقه حادثة تفتيش شاب بشكل عنيف في باب العامود ومحاولة جنديتين إسرائيليتين الوقوف أمام عدسة الكاميرا الخاصة به لمنعه من تصوير العنف الذي يتعرض إليه الشاب.

وبادرت مجندة بسؤاله إذا كانت وزميلتها تعيقان عمله الصحفي ليجيب: "أنتما تقومان بعمل مخالف للقانون، وإلا فلماذا تتستران على الجنود الذين يعتدون على الشاب؟"، وكانت هذه الكلمات كفيلة بتجهيز شرطية إسرائيلية سلاحها في وضعية إطلاق النار لترهب المصور الذي رفع يديه مستسلمًا قبل الاعتداء عليه واعتقاله ثم إطلاق سراحه.


الصحفي فايز أبو رميلة أثناء الاعتداء عليه بالقدس- (الصورة نقلا عن الجزيرة)

وصرّح فايز أبو رميلة لتلفزيون الجزيرة بأن حاجز الخوف تلاشى تدريجيًا مع توالي الاعتداءات اللفظية والجسدية عليه، بالإضافة إلى الاحتجاز والاعتقال. ورغم إيمانه بانعدام حرية العمل الصحفي بالمدينة المقدسة، إلا أنه آمن أكثر بأهمية التقاط الصور ومقاطع الفيديو التي تُظهر المعتدين وأصحاب الحق بكل شفافية.

ووفقًا لبيانات نادي الأسير الفلسطيني الصادرة نهاية مارس الماضي، يقبع 28 صحفيًا فلسطينيًا خلف قضبان سجون الاحتلال؛ بينهم أربعة مقدسيين (محمود عيسى وسامر أبو عيشة وصالح الزغاري، والمعتقل إداريًا حسن الصفدي).

وأفاد تقرير لمنظمة "مراسلون بلا حدود" بأن "حرية الصحافة لم تكن مهددة قط على النحو الذي هي عليه اليوم"، متطرقًا إلى ملاحقة الصحفيين الفلسطينيين والتنكيل بهم، واستمرار سريان قانون الطوارئ الذي يتيح للرقابة العسكرية الإسرائيلية التدخل في الحريات الصحفية.

واحتلت "إسرائيل" المرتبة الحادية والتسعين من بين 180 دولة شملها التقرير الذي اختص بديكتاتورية الدول في التعامل مع الصحفيين وديمقراطيتها.