طارده "صدام" وحاول "المالكي" اغتياله.. تعرف على موحد السُّنة في العراق

"التاريخ يجري، ويُسهم في صياغته وتسجيل أحداثه البشر، وكلُّ إنسان مهما كبر أو صغر له إسهام في تسجيل صفحات التاريخ، وقد تُكتب تلك الصفحات أو تهمل؛ ولكن هناك سجلًا ربانيًا يحفظ كل تحركات البشر، ولا يزكّي الأنفس إلا الله، وهو المجازي".

بهذه الكلمات لخّص الدكتور عدنان الدليمي "آخر المطاف" لسيرة حياته وذكرياته. فهو الأكاديميُّ والداعية، من أبرز زعماء السنة في العراق، الرئيس السابق لديوان الوقف السُّني. اهتم بالسياسة منذ الاحتلال الأميركي للعراق، وحاول توحيد جهود السياسيين السُّنة في مقابل الجهد الشيعي.

كان صوته قويًّا عاليًا ضد التدخل الإيراني في بلاده، وعارض سياسات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي؛ فتعرض إلى محاولات اغتيال، واتُّهم بالإرهاب وغادر العراق مجبرًا، إلى أن أعلنت وفاته اليوم بعدما أجبره المرض منذ عامين على الابتعاد عن عالم السياسة والاستقرار بأربيل. 

نشأته ودراسته

ولد العالم عدنان محمد سلمان الدليمي بمحافظة الأنبار (غرب العراق) عام 1932 لأسرة تنتمي إلى عشيرة "البوعيثة"، ودرس في المساجد وتتلمذ على أيدي شيوخ كبار مُذ كان عمره 18 عامًا، واهتم بالدعوة والإرشاد من صغره، وفي كبره حصل على شهادة الماجستير عام 1965 من كلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية عام 1969.

عمل في التدريس لمدة خمسين عامًا بجامعات عربية مختلفة، قضى نصف المدة المذكورة في كلية الآداب بجامعة بغداد، ولُقّب بـ"رحّالة الجامعات العربية"؛ لعمله في جامعات بدول عربية مختلفة، وأصدر مؤلفات؛ من بينها كتاب "ثلاث رسائل لغوية" و"آخر المطاف.. سيرة وذكريات".

وتعرّف الدليمي وهو طالب على تيارات وأفكار؛ لكنه اختار مبكرًا الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين في العراق.


التجربة السياسية

طورد عدنان الدليمي من النظام العراقي السابق في التسعينيات، فاختار مغادرة البلاد عام 1994 متجهًا إلى الأردن؛ حيث عمل في جامعة الزرقاء الأهلية عميدًا لكليتي الآداب والشريعة، وكان أستاذًا للدراسات العليا بها.

برز اسمه بعد عودته إلى العراق قادمًا من العاصمة الأردنية عمّان؛ حيث شارك في العملية السياسية بعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين عام 2003، وعيّن بعدها مستشارًا لرئيس الجمهورية العراقية جلال الطالباني لفترة وجيزة؛ لكنه غادر منصبه ليشكل كيانًا سياسيًا أطلق عليه "مؤتمر أهل العراق" تمهيدًا للمشاركة في انتخابات عام 2005.

شارك بـ"المؤتمر" مع الحزب الإسلامي العراقي بزعامة طارق الهاشمي وزعيم جبهة الحوار خلف العليان في تشكيل جبهة التوافق العراقية (أكبر تكتل للسنة عام 2005)، وحصلت هذه الجبهة على 44 مقعدًا في البرلمان العراقي.

وعن الغاية من تأسيس هذه الجبهة، يرى الدليمي -في حديث للجزيرة عام 2005- أنها "تهدف إلى تشكيل تكتّل قوي يجمع العراقيين من أجل الوقوف في وجه الشعوبيين، وفي وجه الذين يريدون أن يقسّموا العراق ويبددوا الثروات. الجبهة تقف في وجه الذين يحكمون العراق وعوائلهم ونساؤهم بالخارج".

برّر الدليمي موقفه من المشاركة في السياسة بينما يخضع العراق إلى الاحتلال الأميركي بالقول إن "التاريخ يحدّثنا عن الدول التي احتلت أنها كانت فيها جماعات تعمل بالمجال السياسي وتفاوض وتؤلف الأحزاب والتكتلات وتناشد الأمم، وإلى جانب هؤلاء كان هناك أناس يحملون السلاح ليقاوموا المحتل، ليس هناك تعارض بين الجانبين"، وكرّر دعوته لسيادة العراق وتحرره، كما أعلن رفضه تقسيم بلاده.

دعم سُنّي ومعارضة شيعية

انتقد سياسة حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، ودَعَم تحركات السنة المعارضة لها. وقال في حوار صحفي إن "أهل السنة في العراق غاضبون من رئيس الوزراء نوري المالكي ومن جميع الأحزاب الشيعية لأنهم تمادوا في ظلم السنة... وعمدوا إلى تحويل العراق إلى دولة شيعية يكون العرب السنة خارجها".

عارض الدليمي التدخل الإيراني في بلاده، وقال إن "العراق أصبح في قبضة يد الشيعة الموالين لإيران والذين يدينون لها بالولاء المذهبي والسياسي، وإيران في الواقع هي التي تدير الحكم في العراق عن طريق عملائها الذين يحكمونه".

واستمر الدليمي رئيسًا لكتلة "جبهة التوافق" في البرلمان العراقي لدورتين، حتى أصدر المالكي مذكرة قبض بحقه، اتهمه فيها بـ"الإرهاب"، واعتقل اثنين من أبنائه، وأغلق مقر حركته السياسية في بغداد.

ونظرًا للمضايقات التي واجهها، ومنها تعرضه إلى عدة محاولات اغتيال، لم يمكث الدليمي في بلاده طويلًا؛ فترك العراق عام 2007 واستقر في الأردن بعد صدور مذكرة اعتقال من القضاء العراقي بحقه بتهمة دعم الإرهاب، كما صدرت بحقه أحكام قضائية.