حسن أبو هنية يكتب:

"حماس" استمرارية أم تحول؟

لا جدال أن حركة "حماس" نشأت من رحم جماعة الإخوان المسلمين حركة إحيائية دينية ترتكز في سلطتها المرجعية إلى المعجم الهوياتي الإسلامي الذي يقوم على تداخل المجالين الديني والسياسي، ويتوافر على طاقة تأويلية تمزج بين النهجين الإصلاحي والنضالي. 

وإذا تأملنا المسارات التاريخية لجماعة الإخوان في العالم المشخص وتحولاتها على صعيد الخطاب والإيديولوجيا والفعل والممارسة، نظفر بحركة اجتماعية تستوعب في بنيتها التكوينية راديكالية سيد قطب، وإصلاحية حسن الهضيبي.

ذلك أن منظورات الشيخ المؤسس حسن البنا تتوافر على إمكانية الالتباس، وتفسح المجال للتموضع بين عوالم دار الإسلام وعالم الدولة القومية. 

وهكذا لم يكن غريبا أن نرى تحققات مختلفة للجماعة في بلدان وأمكنة عدة، وفي ظروف وأزمنة متعددة، الأمر الذي دفع إلى الحيرة والاختلاف في تعريف الجماعة ودورها بين نقيضين من الاعتدال إلى التطرف بالتعامل معها تارة باعتبارها تمثل "جدار وقاية" ضد التطرف، وتارة أخرى باعتبارها تعمل كـ"حزام ناقل" للتطرف العنيف.

لا تخرج حركة حماس في تطورها عن سيرة الجماعة الإسلامية خصوصا، ومسار الحركات الاجتماعية عموما، حيث تطالها سسيولوجيا التحولات في إطار من الاستمرارية والتحول. 

وكان واضحا خلال العقود الثلاث الماضية دخول الحركة في ديناميكية "التسييس" التي تستند إلى مفهوم "المصلحة" التي تنشأ بفعل إكراهات الواقع وموازين القوى التي قادت إلى سلسلة من المواقف والخيارات والممارسات، أفضت ببطء إلى تراجع النزعة الإيديولوجية الدينية، وتنامي النزعة البراغماتية السياسية. 

فميثاق حماس الذي نشر في 18 آب/ أغسطس 1988 عقب تأسيس الحركة بثمانية شهور، استند إلى معجم هوياتي ديني يقوم على مفاهيم أيديولوجية دينية تتأسس على مصطلحات الأمة/ الجهاد/ اليهود، لتتحول في وثيقة "المبادئ والسياسات العامة" الصادرة في 1 أيار/ مايو 2017 إلى حركة قومية  تركز على الحقوق الوطنية، وفق معجم سياسي يتأسس على مصطلحات الشعب/ المقاومة/ الصهيونية.

إن أحد الإشكالات في فهم حركات "الإسلام السياسي" عموما، وحركة حماس خصوصا، تستند إلى تصورات جوهرانية عن الإسلام ذات طبيعة استشراقية وثقافوية، وهي إشكالية لا تقتصر على المستشرقين، ولكنها تطال الحركات الإسلامية ذاتها التي تنظر إلى الاجتهاد والتغير بريبة، ولا تفرق نظريا بين مجال الإلهيات النظرية، ومجال الإلهيات العملية. 

الأمر الذي يخلق دوما مساحة واسعة من الاختلاف والانقسام حول الاستراتيجيات والتكتيكات، ذلك أن الحركة تفتقر إلى أدبيات خاصة وتنظيرات تشرح لأعضائها وأنصارها الأسس الفلسفية والفقهية لحركة الجماعة، فيما تكتفي بإصدار بيانات وتعليقات ومواقف إبان الحوادث والنوازل والمتغيرات والمستجدات.

ما حدث مع حركة حماس هو تحول واستمرارية، كما هو شأن "الإسلام السياسي" عبر انتقاله من جماعة دينية هوياتية إلى حركة شبه سياسية إلى حزب سياسي مع بروز "ما بعد الإسلام السياسي"، وهو نتاج تحولات "الدولة الوطنية" من الأنظمة السلطوية إلى منعرجات الديمقراطية. 

وهي ديناميات تفرض نزعة تسييسية تهدف إلى التكيّف مع تغيرات البيئة السياسية للاستفادة والانتفاع بفضائلها، ذلك أن "التسييس" يفرض على الحركة الدخول في تكيّفات ضرورية للانخراط في العملية السياسية. 

وكلما تغلغلت في العمل السياسي، وجدت نفسها تبتعد عن النظر الإيديولوجي وتنساق إلى تعديل مواقفها وخطاباتها بما يتناسب مع التزاماتها الجديدة في القبول بالديمقراطية والتعددية وتداول السلطة، والانخراط في تحالفات مع أحزاب وقوى أخرى، وابتعدت عن التفكير في خيارات العنف والعمل المسلّح خيارا أزليا، ودفعت باتجاه تطوير المسار الديمقراطي والتفاوضي لما يحققه من مكاسب ومكافآت تعود عليها بالفائدة. 

لكن نزعة التسييس تتطلب التضحية بمنافع عديدة، وبهذا، فإن ديناميكية التحول تخلق مزيد من الأزمات حيث تختلف الأنظار في حسابات الكلفة/ المنفعة. 

رغم خصوصية حركة حماس في العمل تحت الاحتلال، إلا أن مساراتها العامة لا تختلف كثيرا عن مسارات الإسلام السياسي وتطوره الذي يتموضع في إطار الدولة القومية، كما بين آصف بيات فما بعد الإسلام السياسي  يجب النظر إليه باعتباره "مشروعا" وليس "حالة". 

إذ تقوم على محاولة واعية لوضع تصور واستراتيجية لمنطق وطرائق لتجاوز الإسلام السياسي في المجالات الاجتماعية والسياسية والفكرية، فمرحلة ما بعد الإسلام السياسي بحسب بيات ليست معادية للإسلام ولا هي علمانية، بل تمثل محاولة لدمج التدين والحقوق، الإيمان والحريات، الإسلام والحرية. 

فهي محاولة لتحويل وقلب المبادئ الأساسية للإسلام رأسا على عقب، بواسطة التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، وعلى التعددية في مجال الصوت الفردي السلطوي، وعلى التاريخية بدلا من الكتاب المقدس الثابت، وعلى المستقبل بدلا من الماضي.

في هذا السياق، فإن تحول حركة حماس لم يكن مفاجئا، فقد جاء عقب سلسلة من التحولات التي طالت حركات الإسلام السياسي في ظروف وموضوعات دولية وإقليمية ومحلية، ولأسباب موضوعية وذاتية. 

وتسارعت وتيرة تحول حماس من جماعة دينية إلى حركة سياسية عقب قرار إسرائيل الانسحاب من قطاع غزة، وتطبيق خطة شارون الانفصال من جانب واحد، التي دخلت حيز التنفيذ في 15 آب/ أغسطس 2005، وما ترتب عليها من إجراء انتخابات تشريعية فلسطينية في 25 كانون ثاني/ يناير 2006، التي أسفرت عن فوز كبير لحركة "حماس" على حساب حركة "فتح". 

وعقب فشل التوصل إلى حالة وفاق وطني بين حماس بعد التوقيع على "وثيقة الوفاق الوطني" في 27 حزيران/ يونيو 2006، التي تم نقضها بالارتداد إلى "المحاصصة" الثنائية بين حركتي "فتح" و"حماس" في "اتفاق مكة المكرمة"، في الثامن من فبراير/شباط 2007، الذي تحولت الخلافات على تطبيقه بين الحركتين إلى تفجر اقتتال دموي بينهما في قطاع غزة بعد ثلاثة أشهر من توقيعه، انتهى بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة في 14 حزيران/ يونيو 2007.

إذا كانت سيرورة التحولات الفلسطينية قادت حماس إلى تطوير خطابها وتعديل مواقفها، فإن سيرورة التحولات الإقليمية والدولية دفعت الحركة إلى إصدار وثيقة المبادئ والسياسات العامة، عقب تحدي الربيع العربي 2011  الذي أسفر عن صعود الإخوان المسلمين لفترة وجيزة ثم الإطاحة بالجماعة في مصر عبر انقلاب عسكري في 3 تموز/ يوليو 2013، وتصنيفها في مصر حركة إرهابية بتاريخ 25 كانون الأول/ ديسمبر 2013 التي تبعتها دول خليجية مثل السعودية والإمارات. 

الأمر الذي أدى إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية، الذي فرض تحديا مضاعفا على الحركة مع بروز نزعة دولية تعرف الإخوان حركة ناقلة للتطرف.
 
في أطروحة الدكتوراه التي أعدتها الصديقة نيفين بندقجي في مجال دراسات السلم والنزاعات، حللت خطاب حركة حماس السياسي في البيانات العربية اليومية الموجهة إلى أعضائها ومؤيديها في الفترة الممتدة بين العامين 2005 و2012، استنادا إلى أحداث منتقاة عن كل عام، ولفترة شهرين تلت كلّ حدث من هذه الأحداث. 

وبيّنت الدراسة أن أحد أهم مجالات التغيّر التي طالت الأيدولوجية السياسية لحركة حماس، تتجلى في التحول من الأيدولوجية الدينية إلى الوطنية من خلال ثلاثة تغيرات لغوية في بيانات حركة حماس: 

من الأمة إلى الشعب، من اليهود واليهودية إلى الإسرائيلين وإسرائيل، ومن الجهاد إلى المقاومة. 

وبنظرة فاحصة، فإن معظم المواد التي تضمنتها وثيقة حماس كانت حاضرة في بيانات ومواقف الحركة بدءا بتعريف نفسها باعتبارها "حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية"، مرورا بأن هدفها "تحرير فلسطين، ومواجهة المشروع الصهيوني" وصولا إلى قبول إقامة دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967.

وأسقطت الحركة جميع الإشارات إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهي مسألة لا ترتبط بطبيعة التحولات الإقليمية والدولية فحسب، لكنها تقع في سياق عام نتج بعد الانقلاب على نهج الربيع العربي. 

لكن إرهاصاته كانت حاضرة في سياق تحولات الإسلام السياسي بالتموضع داخل السياق الوطني وفك الارتباطات التنظيمية بين الفروع والتنظيم الدولي ثم تطور إلى نمط من الاستقلالية الفكرية النسبية لإفساح المجال أمام الانتفاع من المرجعية الإسلامية العمومية.

تدرك حماس أن وثيقتها لن تؤدي على المدى القريب والمتوسط إلى تغييرات جوهرية في الموقف الدولي والإقليمي برفع الحركة من قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبالطبع إسرائيل، كما أنها تدرك بأن الوثيقة لن تؤدي على المدى القريب إلى تغير موقف معظم الدول العربية تجاهها. 

وعلى الرغم من أهمية ذلك لحماس، لكن ينبغي النظر إلى وثيقة المبادئ والسياسات العامة باعتبارها استمرارية، وتحول داخل الحركة بصورة أساسية، لا ينفصل عن تحولات حركات الإسلام السياسي.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه