ناشونال إنترست: كيف غيّرت حرب 67 ملامح الشرق الأوسط؟

مع اقتراب ذكرى نكسة عام 1967م، سلّطت مجلة "ناشونال إنترست" الأميركية في تقرير مطول لها، ترجمته "رصد"، الضوء على حرب 1967 والمكاسب الكبيرة التي حققتها دولة الاحتلال الصهيوني منها.

قبل خمسين عامًا، قلبت حرب الأيام الستة "الإسرائيلية" الشرق الأوسط رأسًا على عقب، وتقريبًا لا توجد حرب أخرى غيّرت المشهد السياسي للمنطقة بسرعة وبصورة أساسية مثل هذه الحرب؛ فالانتصار المذهل لقوات الدفاع "الإسرائيلية" على ثلاثة جيوش عربية في غضون ستة أيام فقط جعل الدولة اليهودية قوة إقليمية كبرى، كما وفّرت الفتوحات الإقليمية لـ"إسرائيل" عمقًا استراتيجيًا لأول مرة؛ لكن ضم القدس الشرقية ومرتفعات الجولان أثّر سلبًا على العلاقات الدولية "الإسرائيلية"، وهكذا أثّرت حرب الأيام الستة على السياسة "الإسرائيلية" حتى اليوم.

التمهيد للحرب

على الرغم من تحقيق "إسرائيل" انتصارًا مثيرًا للإعجاب على مصر في حملة سيناء عام (1956)؛ فإن المكاسب السياسية التي حققتها العملية كانت محدودة، إذ بقيت قناة السويس مغلقة أمام سفنها. وعلى الرغم من تجريد شبه جزيرة سيناء من السلاح؛ فإن حماية حرية التنقل في خليج العقبة والحفاظ على الحدود "الإسرائيلية" المصرية كانا في أيدي قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة يمكن أن تطلب القاهرة انسحابها من جانب واحد.

وظلت الجبهة الإسرائيلية المصرية هادئة نسبيًا في الستينيات. وبدلًا من ذلك، تحولت الخطوط الأمامية السورية إلى مصدر دائم للاضطرابات، ودَعَمَ النظام في دمشق الإرهابيين الفلسطينيين (حسب الكاتب) الذين استخدموا سوريا قاعدة لعملياتهم ضد "إسرائيل"، إضافة إلى حدوث مناوشات بين القوات "الإسرائيلية" والقوات النظامية السورية. وأخيرًا، كانت السيطرة على الموارد المائية في المنطقة الحدودية بين البلدين، مثل نهر الأردن ومنابعه، سببًا دائمًا للصراع.

في أبريل 1967، دفعت المواجهة بين سلاح الجو "الإسرائيلي" والقوات الجوية السورية إلى دائرة من التصعيد أدت في النهاية إلى حرب الأيام الستة. وفي استعراض للقوة، حلّقت الطائرات الحربية الإسرائيلية فوق ضواحي دمشق، وهدد مسؤولون "إسرائيليون" سوريا باتخاذ مزيد من الإجراءات في الأسابيع المقبلة.

لم تؤخذ هذه التهديدات على محمل الجد في دمشق والقاهرة. وإضافة إلى ذلك، أطلع الاتحاد السوفييتي -لأسباب لا تزال غامضة إلى حد كبير حتى اليوم- القاهرة ودمشق على خرائط غير صحيحة لتمركز القوات "الإسرائيلية" على طول الحدود مع سوريا، ولم يكن هناك حشد للقوات الإسرائيلية على طول الحدود. ومع ذلك، طالب الرئيس المصري جمال عبدالناصر قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة بالانسحاب من سيناء في 16 مايو؛ ردًا على الاستفزاز الإسرائيلي المفترض.

بعد ذلك، نشر الجيش المصري قواته على الحدود مع "إسرائيل"، وعبّأت "إسرائيل" قوات الاحتياط؛ وردًا على ذلك أغلق عبدالناصر مضيق تيران. وبعد أسبوع، دخلت مصر والأردن تحالفًا عسكريًا، وأعلن البلدان أن الهجوم على أحدهما سيعتبر هجومًا على كليهما. وفي هذه التطورات، اتخذت "إسرائيل" القرار بالهجوم قبل أن يفعل التحالف العربي ذلك.

مقارنة بين القوات العربية و"الإسرائيلية"

الأهم من ذلك كله المقارنة بين القدرات العسكرية؛ إذ فاق عدد القوات الإسرائيلية، البالغ قوامها 275 ألف جندي، عدد الحلفاء العرب مجتمعين (مصر 190 ألفًا وسوريا 50 ألفًا والأردن 55 ألفًا). وبسبب إرسال الجيش المصري أفضل قواته إلى اليمن، لم تتمكن القاهرة من حشد أكثر من مائة ألف جندي وحوالي تسعمائة دبابة في سيناء. لذلك؛ تفوق جيش الدفاع الإسرائيلي من الناحية العددية مقارنة بالقوة العربية المشتركة، وبالرغم من ذلك، عندما يتعلق الأمر بالأسلحة؛ فاق التحالف العربي الجيش "الإسرائيلي" إلى حد كبير.

ولا تقاس القدرات العسكرية بالأرقام فقط. وفي نهاية مايو 1967، كانت وكالة الاستخبارات المركزية  الأميركية مقتنعة بأن القوات العسكرية الإسرائيلية "متفوقة في التدريب والقيادة والعقيدة العسكرية وصيانة المعدات على جميع جيرانها". وبحسب التقرير الأميركي، فجيش الدفاع الإسرائيلي أكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط.

وبتجهيز الجيش الأردني بشكل رئيس بأسلحة قديمة، تلقّت مصر وسوريا كثيرًا من أفضل أسلحة موسكو منذ نهاية الخمسينيات. وجُهّز الجيشان بأحدث الطائرات المقاتلة السوفيتية، مثل (تو -16) و(ايل 28) و(ميج 21) و(ميج 19) و(سو -7) والدبابات من طراز (T-54 /-55)؛ إلا أن جنود البلدين يفتقرون إلى التدريب والقدرة على تشغيل أنظمة الأسلحة المعقدة. وعمومًا، لم يكن مستوى التدريب والتعليم في الجيوش العربية كافيًا.

وكانت صيانة المعدات العسكرية وإصلاحها مشكلة رئيسة في الجيوش العربية، ولم يُتح للخدمة سوى جزء صغير من الطائرات والدبابات والبنادق. بالإضافة إلى ذلك، الجيش المصري غير منظم، وانتشر آلاف من جنوده على الحدود "الإسرائيلية المصرية" دون زيّ رسمي، وغير مسلحين بأسلحة جيدة.

حرب الأيام الستة

في صبيحة اليوم الخامس من يونيو، غادرت قرابة مائتي طائرة مقاتلة "إسرائيلية" قواعدها، ومهمتها تدمير كامل القوات الجوية المصرية؛ لترسيخ التفوق الجوي الإسرائيلي. وعندما دخلت الطائرات "الإسرائيلية" المجال الجوي المصري كان معظم القادة العسكريين المصريين في رحلة تفتيش روتينية في سيناء؛ ولمنع حدوث إطلاق نار صديقة أوقف المصريون أنظمة الدفاع الجوي والرادار، ودمر الطيارون "الإسرائيليون" أكثر من 280 طائرة مصرية في غضون ساعات.

وبعد تأمين التفوق الجوي، تقدمت ثلاث فرق إسرائيلية مكونة من كتائب مشاة وميكنة ومظليين إلى شبه جزيرة سيناء لمواجهة القوات المصرية. وفي الوقت نفسه، قال عبدالناصر للعاهل الأردني الملك حسين إن قواته الجوية حطّمت بالفعل القوات "الإسرائيلية"، وبدأت القوات الأردنية الهجوم على المواقع الإسرائيلية في القدس؛ فردّ الجيش الإسرائيلي هجومًا مضادًا، وتقدم إلى القدس الشرقية والضفة الغربية، في حين سحقت القوات الإسرائيلية سلاح الجو الأردني.

وفي بداية اليوم الثاني، أوقف الجيش "الإسرائيلي" الهجوم السوري على "الجليل". ومع ذلك، وبسبب خوف الإسرائيليين من تدخل السوفييت دعمًا لدمشق، لم يتوغل الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية (حتى الآن). وفي الوقت نفسه، في الضفة الغربية، أجبرت القوات الإسرائيلية نظيرتها الأردنية على التراجع. وعلى الجبهة الجنوبية، اتجه الجيش الإسرائيلي نحو قناة السويس ودخل قطاع غزة.

وعلى الرغم من قدرة القوات المصرية على الدخول في معركة جادة حتى من دون دعم جوي، أمرت القاهرة قواتها بالانسحاب؛ إلا أن الانسحاب غير المنظم لعشرات الآلاف من الجنود انتهى بالفوضى المطلقة، وأصيبت القوات المصرية بالذعر، وسار كثير من الجنود على الأقدام، ومات المئات عطشًا، واصطفت السيارات العسكرية المصرية على الطرق الرئيسة في سيناء في ازدحام مروري ضخم، وقُدّمت فريسة سهلة لسلاح الجو الإسرائيلي.

وفي الثامن من يونيو، طلبت القاهرة وقف إطلاق النار؛ إلا أن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أمر قوّاته بالمضي قدمًا. وهكذا، وفي اليوم الخامس من الحرب، دخلت القوات الإسرائيلية مرتفعات الجولان السورية تحت المدفعية الثقيلة والدعم الجوي. ومع تصاعد الضغط السياسي من واشنطن وموسكو وتهديد الكرملين بالتدخل مباشرة لدعم العرب، صمتت الأسلحة في العاشر من يونيو الساعة السادسة؛ بعد أن وجهت القوات البرية الإسرائيلية ضربة قاسمة لثلاثة بلدان واحتلت قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر، والقدس الشرقية والضفة الغربية من الأردن، ومرتفعات الجولان السورية.

النتائج والعواقب

كان انتصار "إسرائيل" مثيرًا للإعجاب من كل الجوانب؛ إذ دمّر الجيش الإسرائيلي مئات الطائرات والدبابات المعادية، ووفرت الأراضي المحتلة مكاسب استراتيجية كبيرة. الأهم من ذلك، اكتسبت "إسرائيل" عمقًا استراتيجيًا لأول مرة في تاريخها، وكانت مرتفعات الجولان تضع المدفعية السورية على أرضية مرتفعة تُمكّنها من قصف الأراضي الإسرائيلية، وينطبق الأمر نفسه على الضفة الغربية؛ حيث هددت المدفعية الأردنية وسط إسرائيل. إضافة إلى ذلك، سمح غزو الضفة الغربية لـ"إسرائيل" بمراقبة أكثر فعالية للحدود الأردنية على طول نهر الأردن والبحر الميت.

ووفّر غزو شبه جزيرة سيناء لـ"إسرائيل" منطقة عازلة بجوار مصر (أخطر أعدائها). إضافة إلى ذلك، سيطرت "إسرائيل" على مضيق تيران، وأتاحت الأراضي المحتلة إمكانية الوصول إلى مزيد من الموارد المائية. ومع غزو مرتفعات الجولان، سيطرت "إسرائيل" على منابع نهر الأردن، إضافة إلى الموارد المائية في الضفة الغربية.

لقد غيّرت حرب الأيام الستة الشرق الأوسط، وأدى احتلال "إسرائيل" شبه جزيرة سيناء إلى حربين أخريين مع مصر: حرب الاستنزاف في الفترة ما بين 1968 إلى 1970، وحرب عام 1973. ومع توقيع "اتفاق السلام" مع مصر في مقابل انسحاب "إسرائيل" التدريجي من سيناء وتحييد مصر، الدولة العربية الأكثر قوة عسكريًا، لم تعد للدول المجاورة لإسرائيل القدرة على قيادة هجوم مباشر.

وبعد انتهاء القتال بفترة وجيزة، ضمّت "إسرائيل" القدس الشرقية بحكم الأمر الواقع، بما في ذلك البلدة القديمة مع الجدار الغربي؛ وبسبب قيمتها الاستراتيجية الحيوية، ضمت إسرائيل أيضًا مرتفعات الجولان (عام 1981). وخضعت الضفة الغربية وقطاع غزة إلى حكم الجيش الإسرائيلي، ثم إدارة مدنية. وفي سياق اتفاقات أوسلو (1993-1995)، سيطرت السلطة الفلسطينية المنشأة حديثًا على المراكز السكانية الرئيسة للعرب. وفي حين انسحبت "إسرائيل" تمامًا من قطاع غزة في عام 2005، لا تزال تدير أكثر من نصف الضفة الغربية.

وما زال ضم "إسرائيل" للمناطق الخاضعة لها واستيطانها يلقيان بظلالهما على علاقاتها بدول عديدة، ويشكلان قضية أساسية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر حتى اليوم.

المصدر