بشير نافع: 3 يوليو قضت على دور مصر العربي.. والتدهور مستمر

رأى الكاتب والأكاديمي بشير نافع في مقال له نشره موقع "ميدل ايست آي" ترجمته "رصد" أن أحداث الثالث من يوليو أنهت الآمال التي عقدت على استعادة ثورة الخامس والعشرين من يناير لدور مصر الكبير والتاريخي في المنطقة العربية.

وقال الكاتب إن وضع البلاد لا يتم تحديده، كما يعتقد  بعض المؤرخين، من خلال تاريخه وحده، ولا عن طريق جغرافيته فحسب، و لا إرادته السياسية، بل هو يتسم بتفاعل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والموارد معا.

ومن خلال مزيج من هذه القوى ولد دور مصر وتطور في حياة العرب خلال القرن العشرين في أعقاب الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وظهرت قوى مصر الناعمة  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومع ذلك، لا ينبغي للمرء أن يبالغ في هذه القوة.

وبسقوط مصر في أيدي الاحتلال البريطاني عام 1882 عمل البريطانيون في إطار مشروع التحديث الذي نفذه الخديوي إسماعيل، وسعى البريطانيون إلى خلق مناخ ليبرالي نسبيًا، وهو ما جذب عددًا من المسيحيين المتعلمين في المشرق إلى جانب عدد متساو من العلماء السلفيين الإصلاحيين.

والدور الذي لعبته كل هذه العناصر السابقة في مصر، وبشكل عام في الثقافة العربية، أدى إلى المبالغة في أهمية القاهرة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولكن الحقيقة هي أنه حتى الحرب العالمية الأولى، ظلت اسطنبول مركز الثقافة والسياسة في المنطقة.

أولا.. كان هناك اسطنبول

توجه المئات من النشطاء العرب والمسلمين إلى اسطنبول، بما في ذلك العديد من المصريين، وفي اسطنبول كانت تتخذ القرارات وتشكلت الأحداث والقرارات والتيارات السياسية الرئيسية، وخرج هؤلاء الأفراد من اسطنبول للبدء في  النضال ضد الهيمنة الأجنبية، وإذا كانت دمشق هي المهد الأول للحركة العربية، فإن أهم تيارات العروبة انبثقت من داخل صفوف الطلاب العرب، ومواطنيهم المتعلمين الذين عاشوا في عاصمة السلطنة، وانتهى دور اسطنبول مع هزيمة العثمانيين وولادة الجمهورية التركية التي كان أول عمل لها هو عزل تركيا وفصلها عن العالم العربي.

ومنذ ذلك الحين، بدأ العرب في رحلة صعبة بحثا عن إطار مرجعي جديد لهويتهم، وكذلك للتحرر من الهيمنة الأجنبية والخلاص من الانقسام المفروض عليهم منذ زمن بعيد.

صعود مصر

لم تكتف الحركة العربية بتوسيع آفاقها خلال العشرينات والثلاثينيات فحسب، بل حققت أيضا خطوات هامة في مجالات الثقافة والسياسة المصرية، وترافق هذا التطور مع ولادة مستوى ملحوظ من الوعي، وخاصة بين النخبة المصرية، بما يتناسب مع حجم ومكانة البلاد ومع دورها المحتمل.

وبدعم كبير من الدوائر العلمانية في بلاده، حاول الملك فؤاد في عشرينات القرن العشرين أن يرث منصب الخليفة بعد أن ألغت الجمهورية الخلافة في تركيا، وأحاط الملك فاروق نفسه بالمصريين العرب والإسلاميين الذين تصوروا أن مصر يمكن أن تقود العالم العربي بأسره.

وعلى الرغم من التردد والغيرة السياسية التي شوهدت في كثير من الأحيان في العراق وسوريا والسعودية، رأى العرب ككل في مصر أهم مركز  للثقل، وربما حتى مركزهم الوحيد.

ليس هناك شك في أن ولادة قضية فلسطين، والدور الذي لعبته مصر، أو الدور الذي كان على مصر أن تلعبه، دعما للفلسطينيين، وهو ما ساعد في زيادة مكانة مصر في نظر العرب ونظرة المصريين  لبلدهم.

صانع الضمير العربي

خلال فترة ما بعد عام 1952، أصبحت العروبة الإطار المرجعي الرسمي للجمهورية المصرية، وتحول الاتجاه العربي الذي كان مثيراً للجدل خلال الفترة بين الحرب العالمية الأولى والثانية إلى سياسات تحظى باحترام كبير، توضع في الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والثقافية، حتى وإن كانت مصر في بعض الأحيان هي المستَضعف.

وهكذا أصبحت مصر مركز الثقافة العربية ومرجع السياسات وبدأت مصر في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي بقيادة الكفاح العربي من أجل فلسطين ورفعت راية الوحدة العربية، وأصبحت موطن الجامعة العربية، ودعمت نضال حركات التحرير العربية من أجل الاستقلال وشنت الحرب بعد الحرب من أجل تأكيد موقف العرب كقوة ناشئة على الساحة العالمية.

ولم يهتم الكثير من العرب بالدور الذي لعبته بغداد وحلب في تطوير الموسيقى العربية الحديثة، لأن مصر، ومصر وحدها، أصبحت المركز الذي اعترف العرب بدوره الأساسي في تشكيل مذاقهم الموسيقي.

وبالإضافة إلى ذلك، واصلت مصر استضافة الجزء الأكبر من صناعة السينما العربية، لدرجة أن اللهجة المصرية أصبحت مرادفا للغة العربية، على مدى عقود، وكانت جامعة القاهرة بمثابة  مكة المكرمة للعرب الطموحين لتلقي التعليم الحديث، وسار على نهجها مؤسسات التعليم العالي التي نشأت  في العالم العربي واحدة تلو الأخرى، ولم يتراجع وضع الأزهر كمعقل للعلوم الإسلامية، لا مع انتشار مراكز التربية الإسلامية المنافسة ولا نتيجة للصدام المثير للقلق بين النظام الجمهوري والإخوان المسلمين.

وباختصار، لم تتحول مصر إلى قلب العرب النابض فحسب، بل كانت أيضا صانع ضميرهم وروحهم الحديثة.

محفورة في الذاكرة

لم يكن غريباً إذن أن موقف مصر ودورها الذي دام أكثر من ستة عقود أن يكتسب الكثير من الوزن في ذكريات العرب، ليس فقط في الذاكرة الجماعية العربية ولكن أيضا في ذكرى أكبر شريحة من المراقبين غير العرب الذين لا يزالون يتصورون مصر كمعيار للوجود العربي ومؤشر لمستقبله.

ويتصور غالبية السياسيين والناشطين العرب أن الأزمات في العالم العربي تضخمت بسبب غياب مصر، ويعتقدون أن العرب لن يجدوا مخرج من مأزقهم حتى ترتفع مصر مرة أخرى، ويعتقدون أن طريق العرب نحو مستقبل أفضل مشروط باستئناف مصر لمسؤولياته كزعيم للعالم العربي بأسره.

ومع ذلك، فإن الواقع يقول للعرب أنه يجب عليهم اليوم إعطاء وزن أقل لتلك الذاكرة وتحرير أنفسهم من أسرها، وهذا ليس بسبب فقدان مصر لأهميتها أو مواقفها أو حجمها، بل لأن مصر ليست في طريقها إلى الانتعاش أو الإحياء، كما أنها ليست مؤهلة إلى العودة في أي وقت قريب لتضطلع بدورها.

مجموع حطام

ولا بد من الاعتراف بأن مصر لم تعد نافورة الضمير العربي، ولم تعد هي صانع الثقافة العربية; فالتعليم المصري تدهور منذ وقت طويل، والفنون المصرية في حالة انحلال، في حين أن وسائل الإعلام المصرية مصدر عار.

وتعاني مصر من أزمة اقتصادية من المرجح أن تستمر لعقود طويلة، وتعاني من انهيار كبير في معظم قطاعات الخدمات إن لم يكن كلها من النقل إلى الصحة.

وعلى الرغم من أن مؤسسات الدولة ليست في حالة جيدة بشكل خاص في أي بلد عربي، بدأت هذه المؤسسات في مصر في التدهور في وقت مبكر منذ الستينيات وهي اليوم عبارة عن حطام وبالنسبة لحجمها وتاريخها، أصبحت مصر أسيرة تحت وطأة التأثير الكامل للملكة العربية السعودية التي تعد أصغر بكثير وأحدث عهداً .

كانت ثورة 25 يناير 2011 شرارة أمل في مصر، ومع ذلك، فإن "انقلاب" يوليو 2013 سرعان ما أخمد تلك الشرارة واستمر التدهور. ومنذ ذلك الحين أصبح الوضع أسوأ بكثير من أي وقت مضى ،وتتطب مصر تفكيكا كاملا وجذريا للهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحالية لدولة جديدة يعاد بناؤها من الصفر.

ومع ذلك، لا يبدو أن مثل هذا الخيار موجود في حساب الطبقة الحاكمة ووسطها الثقافي، كما أنه لا يوجد في حساب قوى وتيارات المعارضة.

وحتى لو أصبح هذا الخيار قابلا للتحقيق، فإن الأمر سيستغرق عقودا قبل أن تتمكن مصر من استعادة بعض الدور وبعض التأثير الذي تتمتع به في التاريخ الحديث للعرب.

وبعبارة أخرى، يجب على العرب التوقف عن انتظار مصر والتخلص من هذه الحنين غير العقلاني لدورها الماضي  ،ويتعين عليهم البدء في البحث عن مستقبلهم بغض النظر عما إذا كانوا قادرين على تقديم يد العون أم لا.