فورين أفيرز: ضعف الموقف المصري دفع السودان للمطالبة بمثلث حلايب

رأت صحيفة "فورين أفيرز" الأميركية أن ضعف موقف مصر الإقليمي الحالي دفع السودان إلى المطالبة بتسليمها منطقة "حلايب" المتنازع عليها، وفي المقابل ازدادت قوة السودان الجيوسياسية بسبب تحسن علاقتها مع السعودية وأميركا.

في أكتوبر 2016، دعا عبد الفتاح السيسي نظيره السوداني عمر البشير إلى القاهرة لحضور الاحتفالات بالذكرى السنوية لحرب أكتوبر ومنح السيسي البشير نجمة سيناء، وهو أعلى ميدالية عسكرية في مصر، وكان ينظر بشكل كبير إلى مشهد البشير الذي يجلس إلى جانب السيسي في سيارة مفتوحة أثناء التفتيش على وحدات الجيش المصري كدليل على تحسن العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوترات.

ويعود تاريخ التوتر في العلاقات بين البلدين إلى محاولة اغتيال الرئيس المصري عام 1995  في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا التي اتهمت مصر الحكومة السودانية بتيسيرها.

ولم يدم  شهر العسل المصري السوداني الجديد طويلًا، ومع بداية عام 2017 بدأت نقاط الخلاف التقليدية تتجدد، وبسبب تغير توازن القوى الإقليمي لصالح السودان بفضل تحسن علاقاتها مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، طلبت الخرطوم من مصر تسليمها منطقة حلايب الحدودية المتنازع عليها منذ فترة، وعندما رفضت مصر، زاد التراشق الإعلامي الذي من الممكن أن يؤدي إلى تفاقم التوترات الدبلوماسية.

ومنذ ذلك الحين، استمر التوتر في الازدياد، ومنعت السودان المصريين من دخول البلاد دون تأشيرة، بعكس ما كان في السابق، كما قررت حظر استيراد الفواكه المصرية على أساس أنها ملوثة.

وأخيرًا، اتهم البشير القاهرة بتقديم أسلحة وذخائر إلى جنوب السودان، ورداً على ذلك، اتهمت مصر السودان بإيواء أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ووفقًا لتقرير تلفزيوني سوداني قامت مصر أيضا بنقل وحدات عسكرية إلى المياه الإقليمية المتاخمة لمثلث حلايب وأرسلت طائرات حربية للتحليق فوق المنطقة.

جذور النزاع

تعود جذور النزاع حول مثلث حلايب إلى أكثر من قرن؛ ففي عام 1899، قررت الإمبراطورية البريطانية ترسيم الحدود بين مصر والسودان، وكلاهما تحت حمايتها، واختارت خط عرض 22 كخط فاصل بين الوحدتين الإداريتين وبالرغم من وقوع المنطقة ضمن الحدود المصرية.

في عام 1902، قرر وزير الداخلية، المسؤول عن المنطقتين، وضع مثلث حلايب تحت إدارة الخرطوم لأسباب تتعلق بثقافات قبائل تلك المنطقة، وهو ما ترتكز عليه السودان في المطالبة بحقها في المنطقة وفي الوقت نفسه، تتمسك مصر باتفاقية عام 1899، وترفض قرار 1902 باعتباره قرارًا إداريًا.

لم يتزايد النزاع حول مثلث حلايب حتى عام 1958، عندما قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر إجراء استفتاء على تعيينه رئيسا للجمهورية العربية المتحدة، وهو اتحاد سياسي بين مصر وسوريا، ولدى وصول لجنة الانتخابات المصرية إلى حلايب  فوجئت بوجود لجنة انتخابية أرسلتها السودان للاستفتاء، ومن قبيل المصادفة عقدت الانتخابات البرلمانية السودانية في نفس اليوم الذي أجري فيه الاستفتاء المصري.

وردًا على ذلك نشر عبدالناصر الجيش المصري لمنع إجراء الانتخابات السودانية في الإقليم، وتقدمت السودان بشكوى ضد مصر في مجلس الأمن الدولي، ورأى  عبد الناصر، الذي يعتبر نفسه قومي عروبي في نهاية المطاف، أنه سيكون من غير الحكمة الدخول في نزاع حدودي مع جارته الجنوبية، وجدد السودان من جانبه الشكوى كل عام إلى مجلس الأمن، منذ ذلك الحين، لكن ممثلي مصر والسودان طلبوا تقليديا من المجلس تأجيل المناقشة.

واندلع النزاع مجددًا في عام 1995 عندما اتهمت مصر السودان بأنها وراء محاولة اغتيال مبارك وبحسب الاتهامات المصرية فإن الاستخبارات السودانية مولت وساعدت الجماعة الاسلامية وزعيمها مصطفى حمزة فى جهودها الرامية إلى اغتيال الرئيس المصري وردًا على ذلك، نشر مبارك الجيش المصري لفرض مزيد من  السيطرة  على "حلايب"، وفي ذلك الوقت، لم يكن بوسع السودان أن يفعل أي شيئا سوى الصمت.

يد أقوى للخرطوم

من الناحية الجيوسياسية، فإن موقف السودان اليوم أقوى بكثير مما كان عليه في عام 1995; فقد تحسنت علاقتها مع السعودية بشكل ملحوظ، ففي الوقت الذي رفض السيسي إشراك الجيش المصري في حرب اليمن، سارع البشير بتقديم قوات سودانية، وأصبحت بلاده منذ ذلك الحين حليف للمملكة العربية السعودية الأهم في اليمن.

ووفقًا لتقديرات رسمية، هناك أكثر من 6.000 جندي سوداني مشارك في اليمن، ولا يشمل هذا العدد قوات "الجنجويد السودانية"، وهي ميليشيات قبلية ذهبت إلى اليمن بعد انسحاب قوات الإمارات العربية المتحدة في أبريل 2016.

كما أن البشير أصبح محببًا للرياض من خلال قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في أعقاب هجوم يناير 2016 على السفارة السعودية في طهران، وهو بذلك يكون قد أنهى عقود من العلاقات القوية بين السودان وإيران، ولكن البشير حصل بدوره على دعم مالي وسياسي غير محدود من المملكة العربية السعودية.

كما حقق السودان تقدمًا ملحوظا في علاقاته مع الولايات المتحدة التي قررت في يناير الماضي رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على الخرطوم لتشجيعها على مكافحة الإرهاب، وتزامن التقارب مع ابتعاد السودان عن إيران.

والواقع أن حزب الله اتهم مباشرة الخرطوم بتسليم واشنطن معلومات عن مراكز التدريب التابعة له في السودان، وفي السابق كانت العلاقات بين حزب الله والسودان قوية؛ فعلى سبيل المثال، عام 1999 هدد عمار الموسوي، المسؤول عن العلاقات الدولية في حزب الله بشن مزيد من الهجمات ضد أهداف أميركية في حال ضرب أميركا أهداف في السودان وأفغانستان، ودعمت زيارة رئيس جهاز الأمن والاستخبارات السوداني محمد عطا المولى إلى واشنطن في مارس واجتماعه مع مدير وكالة المخابرات المركزية "مايك بومبيو" الاتهامات الموجهة للبشير بتسليم المعلومات في الواقع.

وشجعت علاقة السودان الجديدة مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى ضعف الموقف السياسي والاقتصادي لنظام السيسي البشير على إثارة نزاع حلايب مرة أخرى.

وتواجه مصر بالفعل مشكلة على حدودها الغربية مع ليبيا التي تعتبر المصدر الرئيس للأسلحة المهربة إلى مصر، كما أن حدودها الشرقية معقل للمسلحين، وفي المقابل، كانت حدودها الجنوبية هادئة نسبيا حتى لحظة إثارة الخلاف، وبسبب الضغوط السياسية الداخلية، لا يمكن للسيسي أن يتراجع أو يقبل التحكيم الدولي لحل هذا النزاع، وعندما أجبر السيسي العام الماضي على تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية، أثار ذلك رد فعل عنيف، سيطر عليه السيسي بصعوبة.

ومع ذلك، ليس لدى السيسي إلا خيارات قليلة، وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر ولتجنب المزيد من الاضطرابات الداخلية; أرسل وزير خارجيته إلى السودان للقاء نظيره السوداني هناك على أمل تهدئة الأوضاع، وأسفر هذا الاجتماع عن بيان مشترك يدعو وسائط الإعلام من الجانبين إلى وقف حملاتها العدائية المتبادلة، كما سافر السيسي إلى المملكة العربية السعودية لإصلاح العلاقات مع المملكة وفي مسعىً لحل النزاع حول حلايب .

وأنهت "فورين أفيرز" الأميركية، مقالها قائلة: "من غير الواضح ما إذا كان السيسي قد نجح في إقناع الرياض بموقفه، ولكن من المؤكد أن السيسي على أرض خطرة، وأنا وضعه قد يزداد سوءا في أي لحظة".