نيويورك تايمز: إيران تحوّلت إلى "ديمقراطية سلطوية"

تثير الانتخابات الرئاسية في إيران تناقضًا محيّرًا؛ فكيف يمكن للحكومة أن تشمل المرشد الأعلى (غير المنتخب) والرئيس (الذي يُختار ضمن تصويت يعامل كمنافسة جادة)؟ وبعبارة أخرى، هل إيران دولة ديمقراطية أم ديكتاتورية؟

ينتخب المواطنون الرئيس يوم الجمعة المقبل، وكذلك أعضاء الهيئة التشريعية؛ لكن مجلس رجال الدين، المعروف بـ"مجلس صيانة الدستور"، يوافق على جميع المرشحين إلى منصب رئيس الجمهورية ويضيّق نطاق الانتخابات. ولا تزال هناك هيئات أخرى غير منتخبة تتمتع بسلطة كبيرة؛ مثل الحرس الثوري، والمرشد الأعلى الذي يشغل المنصب مدى الحياة، وهو أهم شخصية ويشرف على كل شيء.

بدأ هذا النظام بسلسلة من التنازلات السياسية المتسارعة في خضمّ ثورة البلاد عام 1979، وكانت النتيجة النهائية "جمهورية إسلامية" تهدف إلى الجمع بين المشاركة الديمقراطية والرقابة الثيوقراطية الدينية. وفي الممارسة العملية، غالبًا ما يصطدم الطرفان بمسؤولين غير منتخبين لا يمكن محاسبتهم ويتمتعون بأكبر قدر من السلطة.

الخميني قادماً من منفاه بعد الثورة

وكانت نتيجة ذلك 38 عامًا من الديمقراطية الضعيفة فعليًا، لكنها قوية سياسيًا؛ فلدى كل فصيل سياسي قاعدة من الدعم تتنافس في الانتخابات. وعلى مر السنين، وبالرغم من أن الحكومة ظلت استبدادية على نطاق واسع؛ تفاوتت درجات الديمقراطية وبقيت هذه التقلبات خفية، وكثيرًا ما تزامنت مع الانتخابات مثل التي ستُجرى يوم الجمعة.

الجمهورية الإسلامية: نعم أم لا؟

وبعد الإطاحة بنظام عام 1979، اختار الإيرانيون إجراء استفتاء صياغته غامضة بشكل كبير، وهي: هل يجب استبدال النظام القديم بجمهورية إسلامية؟

حاز هذا الاستفتاء الموافقة بأغلبية ساحقة، ونُظر إليه على أنه تصويت على الثورة نفسها بدلًا من أي شيء، وكان من المقرر إجراء استفتاء ثان للموافقة على الدستور.

لكن الثورة لم تكن موحدة، وقادها ثلاثة فصائل: القوميون الذين يسعون إلى جمهورية على الطراز الغربي، الإسلاميون الذين يفضّلون نوعًا من الثيوقراطية الشعبوية، الشيوعيون (وهم أقوى مجموعة).

وتآمر روح الله الخميني، زعيم الإسلاميين، مع القوميين ضد الشيوعيين، عدوهما المشترك، واتفقوا على إنشاء جمهورية إسلامية؛ من الناحية النظرية سترضي الإسلاميين والقوميين على حد سواء.

لكن التوفيق بين رؤى القوميين و"الخميني" كان صعبًا. وبنى القوميون خططهم للسير على الدساتير الفرنسية والبلجيكية، بينما بنى الإسلاميون على خطب السيد الخميني؛ لا سيما المفهوم الراديكالي المعروف باسم "ولاية الفقيه"، الذي وسّع الفقه الديني للسماح بالحكم الديني المباشر للمجتمع.

وسعى الخميني أثناء صياغته للدستور إلى تعزيز سلطته؛ بالاستحواذ على قدر أكبر من السيطرة على الحركة الثورية، وذلك جزئيًا من الشروع في الاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران.

ونجحت خطته. وعندما وضع الدستور نصًا على المؤسسات الديمقراطية المنتخبة، مثل الرئيس والمجلس التشريعي، وهذه المؤسسات سيُشرف عليها عن طريق هيئات دينية غير منتخبة؛ ذهب أقوى منصب في هذه الهيئات (القائد الأعلى) إلى الخميني.

ويبدو الهيكل التنظيمي للمؤسسات الإيرانية وكأنه نظامان كاملان، أحدهما ديمقراطي والآخر ديني ثيوقراطي، مندمجين معًا.

ويقول محمد آية الله تابار، وهو أستاذ في جامعة "تكساس إيه إم" الذي يُدرّس السياسة الإيرانية، إن الخميني وحلفاءه أملوا في أن يصطدم النظامان، واصفًا المؤسسات الثيوقراطية بأنها "دولة معادية بشكل كامل"؛ لدرجة أن الخميني وحلفاءه اعتقدوا أنهم سيبتلعون الدولة بشكل كامل في النهاية.

ويبدو أن الخميني توقع استيلاءً تدريجيًا على الدولة، وتولى مهام منصبه في مدينة "قمّ" المقدسة بدلًا من طهران العاصمة، وحذر الزعماء الدينيين من تدنيس أنفسهم بالأمور السياسية اليومية.

ولكن، في عام 1980، وبعد أشهر فقط من الموافقة على الدستور الجديد، غزى الرئيس العراقي صدام حسين إيران. ودفعت الحرب، التي استمرت ثماني سنوات، الإيرانيين إلى البحث عن زعيم وطني قوي، كما هددت بكسر الحكومة الجديدة المنقسمة؛ ما دفع الخميني إلى تدعيم سلطته. وبدلًا من كون الخميني ومكتبه سلطة دينية تُستشار في أمور معينة، اتجه إلى السيطرة على النظام السياسي بشكل كامل.

جنود عراقيون في الحرب مع إيران

فصائل تقاتل من أجل الهيمنة

عندما توفي الخميني عام 1989، بعد عام من انتهاء الحرب، انتاب النظام الذي أسسه المخاوف، وخشي رجال الخميني من إضعاف سلطة مكتب القائد الأعلى وتمرْكز السلطة في أيدي المسؤولين المنتخبين؛ ما دفعهم إلى مطالبة علي خامنئي، الذي شغل آنذاك منصب رئيس الجمهورية، بتولي منصب المرشد الأعلى الجديد؛ وهو المنصب الذي لا زال يشغله إلى الآن.

وحينها، يفتقر علي خامنئي إلى المؤهلات الدينية اللازمة؛ لذلك دفع حلفاؤه في اتجاه سنّ دستور جديد لتمكين صعوده، وأظهر ذلك كيف تدور المعارك السياسة بين الفصائل والمجموعات الأيديولوجية التي لا تدخل ضمن الهيكل الرسمي للأحزاب السياسية ولكنها تتنافس منافسة شديدة.

على خامني وفي الخلفية تظهر صورة الخميني

واستولى حلفاء خامنئي، وهو فصيل يعرف أحيانًا باسم المتطرفين أو المتشددين، على القيادة العليا؛ لمنع استيلاء قوة أخرى على المنصب، مثل الإصلاحيين الذين يفضّلون التخفيف من الأعمال العدائية ضد الغرب. ولكنّ خامنئي أضعفُ بكثير من سلفه، وغير قادر على السيطرة على الفصائل، وسعى إلى إدارتها؛ لكنه رضخ في أحيان إلى رغباتهم، ومنذ ذلك الحين تصارعت هذه الفصائل مع بعضها البعض بطريقة أدت أحيانًا إلى تغيير النظام نفسه.

على سبيل المثال، في عام 1997 فاز الإصلاحي محمد خاتمي بالرئاسة؛ على الرغم من جهود خامنئي لإعاقة حملته الانتخابية، وأطاح خاتمي برؤساء الأجهزة الأمنية القوية التي يديرها تقليديًا المتشددون؛ ما سمح له بتخفيف القيود السياسية.

وردّ المتشددون، الذين تركزوا في هيئات غير منتخبة مثل السلطة القضائية، بطرق تضعف الديمقراطية؛ مثل إغلاق الصحف ومنع التظاهرات.

وفي عام 2000، بعد اجتياح الإصلاحيين الانتخبات التشريعية؛ قرّر مجلس تشخيص مصلحة النظام غير المنتخب بطلان استجواب المشرّعين للهيئات التابعة للمرشد الأعلى.

وفي انتخابات عام 2004، منع خامنئي وحلفاؤه مئات المرشحين الإصلاحيين وأضعفا فصائلهم السياسية، وأعادا السلطة إلى المتشددين الداعمين لهما.

وفي كثير من الأحيان، تُشعل الخلافات السياسية البسيطة، وليست الاختلافات الأيديولوجية، هذه المعارك. وطوال عام 2011 اشتبك الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد مع المرشد الأعلى في سعيه إلى تقوية سلطاته الرئاسية.

إبراهيم رئيسي المرشح المحافظ للانتخابات الإيرانية

أهمية الانتخابات الإيرانية

ربما تكون الانتخابات الإيرانية مجرد مكان آخر تتنافس فيه الفصائل، لكنها ما زال بإمكانها إعطاء المواطنين فرصة للتعبير عن آرائهم، وإن كانت أضعف بكثير مما هي عليه في الديمقراطيات الكاملة.

ويقول البروفيسور "تابار": "هذه انتخابات حقيقية يتنافس فيها فاعلون سياسيون حقيقيون وتُجرى فيها حملات انتخابية حقيقية؛ إلا أن الوصاية التي يفرضها خامنئي تحدّ من نطاقها بشدة؛ ما يعرقل جميع المرشحين الذين يبتعدون كثيرًا عن تفضيلات المجلس".

ويسعى الرئيس الحالي "روحاني" إلى إعادة انتخابه مرة أخرى. ويشكّل إبراهيم رئيسي، المحامي العام السابق الذي يعتقد أنه المرشح المفضل للسيد خامنئي، أقوى المنافسين له.

تقييم الديمقراطية في إيران

بالنسبة إلى البعض، كان انتخاب روحاني في عام 2013 بمثابة قمة ديمقراطية النظام الإيراني؛ ويبدو أنه حظي بتأييد شعبي واسع النطاق وأحدث تغييرات كبيرة، مثل اتفاق دبلوماسي للحد من البرنامج النووي الإيراني، على الرغم من معارضة المتشددين.

وسمح روحاني بسنّ تغييرات؛ ولكن منع بعضها من قبل آخرين. وكثيرًا ما اشتبك مع المتشددين، واتهم مؤخرًا الحرس الثوري بالسعي إلى تخريب الاتفاق النووي.

من الصعب قياس الديمقراطية؛ لكن قلة من المقاييس المستخدمة تصنف إيران بأنها على درجة جيدة من الديمقراطية. أحد هذه المقاييس باسم "بوليتي آي في"، يستخدم مؤشرات لتقييم البلدان تتدرج من "-10" للديكتاتورية الكاملة إلى "10" للديمقراطية الكاملة، وتقدر إيران بأنها "-7"، وهي درجة كوبا والصين نفسها.

تصنيف آخر يعرف باسم "V-ديم"، يرى إيران أقل ديمقراطية من أوكرانيا وتونس، وتسجل في هذا المقياس "0.29".

ويرجع تفاوت هذه التقديرات بنسبة كبيرة إلى التنافس بين الفصائل والغرائز السياسية لخامنئي كلما جرت الانتخابات؛ ولكن الأصوات يوم الجمعة، وإن كانت محدودة للغاية، لا تزال تلعب دورًا.

المصدر