"تجارة الأعضاء" تعود للواجهة من جديد.. 10آلاف صفقة سنويا معظمها في مصر

تعتبر القاهرة محورًا تجاريًا هامًا في الشرق الأوسط؛ إلا أن تجارة الأعضاء تنتعش فيها هذه الأيام. فشبكة واسعة من مهربي البشر وأطباء بارزين، إضافة إلى نظام صحي متداعٍ ونقص في الأعضاء البشرية، كل هذا خلق في النهاية طابور انتظار طويلًا؛ ما دفع طالبي الأعضاء للجوء إلى السوق السوداء.

ووفق تقرير لمنظمة الصحة العالمية، هناك عشرة آلاف حالة لتجارة الأعضاء البشرية في السوق السوداء سنويًا وبأرباح تتجاوز المليارات. وتقول المنظمة، التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها، إن أكبر عدد من هذه التجارة يجري في مصر.

ضبط واعترافات

يقول "م. ن. ا"، سمسار سابق لتجارة الأعضاء: كنت أتعامل مع الراغبين في بيع أعضائهم مقابل مبلغ من المال؛ فأوفّر لهم العملاء الراغبين في الشراء، كما أسهّل أي إجراءات أخرى ورقية لإنهاء الصفقة، فالقانون يشترط أن يكون المشتري من جنسية المتبرع نفسه؛ فكنا نزوّر أوراقًا تثبت ذلك لتسهيل إجراء الصفقة.

ومنذ ما يقارب العام، قادت الحكومة في مصر حملات موسعة على عيادات وقبضت على 45 شخصًا، بينهم أطباء وممرضات، وصودرت ملايين الجنيهات. وبالنسبة إلى كثيرين، تغطي الأرباح الطائلة على المخاطر.

ونتيجة هذه الحملات الأمنية، أدلى عديدون باعترافاتهم ودورهم في صفقات بيع للأعضاء البشرية وشرائها؛ كان منهم الطبيب "ط. س. ع" الذي قال في إدلائه للنيابة ونشرت "بي بي سي نيوز" جزءًا منها: كنت أتقاضى مبلغ 40 ألف دولار أميركي من مشتري الكلية وأتقاسمها مع البائع".

ويتابع: يوقع البائع قبل إجراء العملية على تعهد بأن الطبيب ليست له أدنى مسؤولية عن حياته أو ما سيترتب عليها من أضرار.

حياة للبيع

ويقول "أ. م"، ممرض مساعد لطبيب مشارك في صفقات تجارة الأعضاء، إن الطبيب لا تهمه حياة المتبرع أثناء إجراء العملية؛ وهذا ما كنت أراه أمام عيني.

ونقلًا عن "بي بي سي"، فإن اعترافات مشابهة أدلى بها أصحابها بالفعل في بلدان أخرى وقال إن الأطباء القائمين على هذه العمليات الجراحية لا يهتمون بحياة البائع (المتبرع) أثناء إجرائها، ولذلك فإن حالات الموت عديدة في هذا الإطار.

مصر.. مزيد من التورط

ويبدو أن مصر أصبحت بوابة لهذه التجارة في إفريقيا والشرق الأوسط، ويشهد تسلسل الأحدث على ذلك؛ وتظهر خريطته كالتالي:

- في يناير 2016 ضُبطت "مافيا" للاتجار في الأعضاء البشرية بمنطقة الخليفة تتكون من أربع سيدات ورجل؛ منهم سيدتان باعتا كليتيهما مقابل 17 ألف جنيه و20 ألفًا، ثم انضمتا إلى التشكيل العصابي لاستقطاب آخرين لبيع أعضائهم البشرية مقابل مبالغ مالية.

- وفي أبريل 2016 عُثر على جثث تسعة صوماليين في شاطئ بمدينة الإسكندرية مسروقة أعضاؤهم، وجاءت هذه الأسرة الصومالية إلى مصر بهدف الهجرة إلى أوروبا؛ إلا أنهم اُختُطفوا من مجهولين وسُرقت أعضاء منهم (مثل الكبد والقلب والكلى).

- وفي يونيو 2016 ضُبِط تشكيل عصابي تخصص في تجارة الأعضاء البشرية، يقوده سمسار برفقة مساعد يستقطب الشباب ويقنعهم بإتمام العملية الجراحية لبيع الأعضاء البشرية في موعدها والتحاليل اللازمة لها مقابل منحهم 15 ألف جنيه للكلية الواحدة.

- وفي أغسطس 2016 ضبطت الأجهزة الأمنية تشكيلين عصابيين استغلّا حاجة الفقراء للمال واستوليا على أعضائهم البشرية واتخذا منطقة السيدة زينب مقرًا لهم، وأقر أعضاء العصابتين في اعترافاتهم للنيابة باجتذاب الفقراء والمغتربين والمتعسرين ماديًا لـ(التبرع) بأعضائهم ووعدهم بالتوظيف في شركات مقابل رواتب جيدة.

- وفي سبتمبر 2016 كُشف عن تورط طبيب وممرض وموظفة بمستشفى "أم المصريين" الحكومية بالجيزة في تجارة الأعضاء البشرية؛ حيث يحصل فيها المتبرع على مبلغ مادي (قرابة 12 ألف جنيه). وأيضًا ما كُشف عنه بمنطقة المرج بالقاهرة بعد أن أبلغ أهالٍ الشرطة بأصوات مشاجرات متكررة في شقة سكنية يقطنها رجال ونساء غرباء عن المنطقة، ووقتها داهم الأمن المنزل واكتشف وجود ثلاجات ممتلئة بأعضاء بشرية.

الأطفال والأفارقة أبرز المستهدفين

يقول سماسرة هذه التجارة إنه نظرًا لما يتقاضونه من مبالغ طائلة مقابل الحصول على الأعضاء البشرية فيجب أن تكون بحالة جيدة من الناحية الصحية؛ لذا المستهدف من قبلهم لا بد وأن يتمتع بصحة جيدة، بحيث تخلو هذه الأعضاء المراد الحصول عليها من أي أمراض تقلل من فرص نجاح العملية الجراحية لنقلها.

وتشير التقارير الواردة من الداخل والخارج إلى أن أباطرة هذه التجارة يبحثون عن الأطفال وصغار السن ابتداءً؛ لما يتمتعون به من نضَارة في أعضائهم، ومن ثم تباع بأثمان غالية مقارنة بغيرها.

وتحظى شوارع مصر بملايين من صغار السن في الشوارع والعشوائيات لا يجدون قوت يومهم؛ ومن ثم لا يجدون غضاضة في التبرع بأعضاء من أجسادهم في مقابل الحصول على المال.

أما النوع الآخر المستهدف من سماسرة تجارة الأعضاء البشرية فهم المهاجرون الأفارقة. ووفقًا لتقارير دولية، يعْبر عشرة آلاف شخص إلى أوروبا عبر البحر المتوسط من السواحل المصرية؛ ولكن حالات التبليغ للسلطات المصرية عن بيع الأعضاء البشرية نادرة.

وفي تقريرها المؤكِّد لذلك، المنشور في سبتمبر 2016 تحت عنوان "تجار الأعضاء البشرية في مصر يغرون المهاجرين الأفارقة بالجنس والمال"، قالت صحيفة "التايمز" إن "سماسرة يعرضون مبالغ كبرى من المال مقابل شراء كلى المهاجرين الأفارقة، في الوقت الذي تتظاهر فيه المستشفيات بجهلها بهذه الصفقات".