بعد مقتل متظاهر.. هل تتحرك احتجاجات محافظة تطاوين نحو العاصمة تونس؟

تأزمت الأوضاع الأمنية بشكل متسارع جدًا في محافظة تطاوين أقصى الجنوب التونسي، إذ يواصل محتجون منذ شهر اعتصاماتهم في عمق الصحراء القاحلة للمطالبة بتخصيص نسبة من أرباح الشركات النفطية التي تنشط في تلك الجهة النائية.
وتصاعدت الاضطرابات، أمس الإثنين، عقب اشتباكات عنيفة بين الأمن والمتظاهرين بعد محاولة المحتجين قطع ضخ النفط، فرشقتهم الشرطة بقنابل الغاز لإبعادهم، بينما أحرق محتجون مقرات للأمن وأشعلوا العجلات المطاطية واقتحم آخرون مقر الولاية.
واتهم محتجون رجال الأمن باستفزازهم وحرق خيمهم ومؤونتهم والاعتداء عليهم، واصفين هذا الاعتداء بأنه "اعتداء أجنبي"، في إشارة إلى أن الشركات النفطية العالمية هي من تقوم برد الفعل ضدهم بسبب مطالبهم بتأميم تلك الشركات وتعطيل إنتاجها.
مقتل متظاهر
ولأول مرة تسجل محافظة تطاوين المحاذية للحدود مع ليبيا حالة تمرد من قبل المحتجين والمتظاهرين، لاسيما بعد مصرع أحدهم دهسا بواسطة سيارة أمنية، وقد صرح متحدث باسم وزارة الداخلية بأن حادث الدهس تم بغير قصد.
ووسط حذر شديد في المنطقة التي يطالب المحتجون فيها الحكومة بمنحهم 20% من أرباح الشركات البترولية وتشغيل المعطلين، اندلعت اليوم احتجاجات وسط العاصمة تونس وفي عدة مناطق في البلاد تنديدا بالتصعيد الأمني ضد المحتجين.
وقال العميد المتقاعد من الجيش مختار بن نصر في تصريحات صحفية أنه يتوقع أن "تتجه الأوضاع نحو مزيد من التوتر"، متهما ضلوع أطراف في تغذية الاحتقان، وقال في "أعتقد أن الأمور تذهب أكثر نحو التأزم لأن هناك من يدفع قصدا باتجاه سقوط قتلى لتفجير الوضع".
ورغم دفع الرئيس الباجي قايد السبسي بقوات الجيش لحماية المنشآت البترولية في تلك المنطقة خوفا من تعطيل الإنتاج، فإن المحتجين لم يلتفتوا إلى تهديداته وقاموا السبت الماضي -في خطوة غير مسبوقة- بمنع ضخ النفط في أحد الحقول بمنطقة الكامور بتلك الجهة.
خوف على الدولة
ويرى مختار بن نصر، أن من شأن اقتحام المحتجين للمؤسسات أن يزعزع استقرار البلاد وأركان الدولة، في وقت تتربص فيه أطراف يقول إنها معادية لنجاح المسار الديمقراطي، مطالبا بتضافر جهود الأحزاب والمجتمع المدني والحكومة لتهدئة الأوضاع قبل فوات الأوان.
وخلفت المشاهد التي صورت صعود محتجين لقطع صمام إمدادات النفط دون تدخل قوات الجيش حالة من الصدمة لدى الرأي العام، لكن مراقبين أشادوا بسلوك قوات الجيش على مستوى "ضبط النفس" وتفادي وقوع أية صدامات دموية خطيرة مع المحتجين.
وزير المالية الأسبق والنائب عن حركة النهضة سليم بسباس يعتبر أن هناك تطورا مفاجئا وخطيرا للأحداث في تلك المنطقة التي حاولت الحكومة قدر المستطاع أن تستجيب لبعض المطالب التي تقدر على تنفيذها لكن دون أي جدوى، حسب قوله.
ولا يخفي سليم بسباس مخاوفه وقلقه من اتساع رقعة الاحتجاجات في ظل دفع بعض الأطراف لتعكير الأوضاع، وكشف في تصريحات صحفية أن سبب انفلات الوضع في تطاوين يعود إلى تراجع نشاط بعض المهربين للسلع من ليبيا في ظل توتر الأوضاع الأمنية.
وكان وزير التشغيل عماد الحمامي قد اقترح حزمة من الإجراءات الحكومية لدفع التشغيل والتنمية في محافظة تطاوين، لكن ما يعرف بتنسيقية "اعتصام الكامور" التي تضم الأهالي المحتجين رفضت مقترح الحكومة وواصل المحتجون اعتصامهم مهددين بقطع إمداد النفط.
مقاربة خاطئة
ورغم أن النائب عن الجبهة الشعبية اليسارية زهير حمدي يرى أن احتجاجات أهالي تطاوين للمطالبة بالتوزيع العادل للثروة الطبيعية ودفع التنمية "مطالب مشروعة"، فإنه يؤكد، في تصريحات صحفية، رفض حزبه قطع الطرق والاعتداء على منشآت ومؤسسات الدولة.
ويعتبر حمدي أن المقاربة الأمنية التي تبناها الرئيس قايد السبسي بعد دفعه قوات الجيش لحماية المنشآت البترولية و"ضعف" قرارات الحكومة لتنفيذ مطالب المحتجين، هما السبب في تأزم الأوضاع وتوسع الصدامات بالمنطقة.
وكانت وزارة الدفاع التونسية أصدرت، الأحد الماضي بيانا شديد اللهجة، حذرت فيه المحتجين من المتابعة القضائية ومن الصدام معهم إذا أقدموا على محاولات لقطع إمدادات النفط. وسبق لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أن أصدر أمرا لولاة المحافظات بتطبيق القانون وحماية المنشآت.