من الأرجنتين إلى القدس..وفاة "شولاميت" الرقم الصعب في عالم الجاسوسية

"أنا لم أعمل للحصول على جائزة أو مجد.. قمت بما قمت به لأنني أريد ذلك، لأنني أحب دولتي "إسرائيل"، وأريد أن أساعد على تأسيسها"، هكذا قالت شولاميت كيشك كوهين، أشهر وأخطر جاسوسة إسرائيلية عملت في لبنان إبان التحقيق معها بعد أن ألقي القبض عليها في بداية الستينيات.
جاسوسة إسرائيلية، تدعى "شولا" أو "لؤلؤة الموساد" تجسست لأكثر من عقد من الزمن في لبنان على أجهزتها الحكومية في ستينيات القرن الماضي، وقامت بتهريب يهود وأموال إلى "إسرائيل".
المولد والنشأة
ولدت شولاميت كيشك كوهين بمدينة بيونس أيرس في الأرجنتين عام 1917 لعائلة يهودية. هاجرت لاحقا إلى القدس المحتلة، وتزوجت من التاجر اللبناني اليهودي الثري جوزيف كوهين الذي كان يكبرها بعشرين عامًا، وانتقلت للعيش معه في بيروت في حي وادي أبو جميل. وتقول مصادر إن زواجها هناك لم يكن بمحض الصدفة، وإنما كان تمهيدا للقيام بأنشطتها التجسسية في بيروت.
الدراسة والتكوين
درست في مدرسة إفلينا دي روتشيلد بالقدس، وأنهت دراستها الثانوية في سن الـ 16 بسبب تميزها الدراسي ونجاحها، وفق ما قالت يوما في مقابلة مصورة.
تجربة التجسس 
تمكنت شولا من الانخراط في الحياة الاجتماعية بلبنان، ومن إقامة علاقات مع كبار المسؤولين الحكوميين، ومن المعلومات المتداولة عنها نقلا عن "مركز تراث المخابرات" أنها عشية إعلان قيام دولة "إسرائيل" حصلت على معلومات عن استعدادات عسكرية لبنانية وعربية للحرب ضد تل أبيب.
وبعد تأسيس "إسرائيل"، التحقت بـ المؤسسة المركزية للاستخبارات والمهمات الخاصة (الموساد) وهي جهاز أمني سري يعمل خارج "إسرائيل"، وعملت في الوحدة رقم 504 للجهاز.
الجاسوسة الإسرائيلية شولا عملت على نقل معلومات عسكرية عن سوريا ولبنان. وكانت شخصية محورية في أنشطة تهريب اليهود من لبنان ودول عربية أخرى إلى إسرائيل.
وقالت شولاميت -في المقابلات العديدة التي أجريت معها بعد عودتها إلى "إسرائيل": إن زوجها لم يعلم طوال الوقت بأنها كانت جاسوسة وأنها هرّبت اثنين من أولادها السبعة لإسرائيل، وأقنعت زوجها بأنهما في إجازة وسوف يعودان. كما هرّبت أكثر من ألف يهودي من لبنان إلى إسرائيل".

أدوات شولا
بَنَت شولا شبكة علاقات كبيرة مع عدد من الموظفين في أجهزة الدولة اللبنانية، وأسست شبكة من المتعاونين، وكان الجنس والدعارة بالإضافة إلى المال من أهم الوسائل التي استعملتها الجاسوسة الإسرائيلية للحصول على معلومات حساسة.

بداية السقوط
قادت تحقيقات أجهزة الأمن اللبناني في إحدى القضايا إلى تحركات شولا المشبوهة، فتحولت هي بدورها إلى موضوع للتحري، وبناء عليه استأجر الأمن شقتين قرب شقة شولا ما مكن من التنصت عليها على مدار 24 ساعة وجمع معلومات مهمة.
بعد شهور من عمليات المراقبة والتتبع، انتهت باعتقال شولاميت في أغسطس 1961 في بيروت -بمجرد عودتها من روما التي مكثت فيها فترة قصيرة- رفقة عدد من العملاء.
جانبٌ من علاقات المرأة مع الوسط السياسي اللبناني، كشفه القائد السابق لقوات الردع العربية وزير الداخلية اللبناني السابق سامي الخطيب في برنامج زيارة خاصة على قناة الجزيرة عام 2009م، حيث قال إن شولا "كانت مسؤولة عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والتراثية، وكانت تشكل أشبه ما يكون بجامعة" مؤكدا ربطها لعلاقات مع سياسيين كبار بالدولة وأنه تم "الإحجام عن ذكر أسمائهم".
وأضاف اللواء الركن المتقاعد -الذي كان مسؤولا بمديرية الاستخبارات لدى اعتقال شولاميت لقناة "الجزيرة الوثائقية" - أن شولا "لم تكن امرأة عادية" مشيرًا -في برنامج عن الجاسوسة الإسرائيلية في ديسمبر2016 إلى أنها كانت جزءًا من "شبكة جاسوسية خطيرة وكبيرة" لا بل "أهم شبكة جاسوسية عُرفت في ذلك الوقت".
وأضاف الخطيب "المراسلات التي ضبطناها عند شولا مكنتنا من معرفة عدد كبير من المعلومات العسكرية عن ثكنات وأسلحة وضباط الجيش اللبناني".
خلال التحقيق معها، كشف الوزير السابق أن شولا اعترفت بأنها تعمل جاسوسة، وقال نقلا عنها "أنا شولا كوهين، مكلفة من الموساد الإسرائيلي بضبط ما أستطيع من الحركات السياسية والعسكرية الفلسطينية في الجبهة الشمالية".
وجرت محاكمة شولا أمام المحكمة العسكرية التي قضت بـ الإعدام، قبل أن يخفف الحكم في الاستئناف. وبعد حرب حزيران 1967، أفرج عن شولا في عملية تبادل للأسرى، وسافرت مع عائلتها إلى القدس وعاشت فيها.
وقالت في إحدى تصريحاتها الإعلامية "أنا لم أعمل للحصول على جائزة أو مجد.. قمت بما قمت به لأنني أريد ذلك، لأني أحب دولتي (إسرائيل) وأريد أن أساعد على تأسيسها".
الأوسمة والجوائز
بالنظر إلى المعلومات القيمة التي قدمتها للمخابرات الإسرائيلية، كرم جهاز المخابرات شولا، وحصلت على ألقاب منها "جيمس بوند إسرائيل" و"الأم الحنونة".
الوفاة
توفيت الجاسوسة شولاميت كيشك كوهين ليل الاثنين 22 مايو 2017 بأحد مستشفيات القدس، وكتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس الإثنين، "وداعا... الجاسوسة الإسرائيلية رقم واحد في لبنان" معلنة وفاتها في القدس عن مئة عام.
وقال عنها ابنها إسحق لفنون الذي كان سفيرا في مصر خلال الفترة ما بين 2009 و2011 "والدتي كانت ساطعة التفكير حتى لحظاتها الأخيرة بصورة لا تصدق".