تفجير مانشستر.. كيف عبثت "الذئاب المنفردة" بأمن بريطانيا العظمى؟

يبدو أنه كلما تجدد الأمل لدى العرب والمسلمين في تراجع سهم اليمين المتطرف المتصاعد في أوروبا ضدهم، جاءت هجمة لتنظيم الدولة لتبدد هذا الأمل وتحيي داخل الأوروبيين الرغبة في التهميش والإقصاء؛ بل والانتقام أحيانًا مِن كل مُهاجر، وبالأدق من هو عربي أو مسلم.

وتبنّى "تنظيم الدولة" تنفيذ هجوم في مانشستر إرينا مساء الاثنين وأوقع 22 قتيلًا، وقال إن فردًا له نفذه بعبوات ناسفة.

وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إن "الهجوم، الذي يأتي قبل نحو أسبوعين من الانتخابات المبكرة، يعدّ من بين أسوأ الاعتداءات التي تعرضت إليها بريطانيا".

ولم يقل "تنظيم الدولة" لماذا نفذه الآن ولماذا بريطانيا تحديدًا؛ بينما شددت الحكومة البريطانية إجراءاتها الأمنية وكشفت عن هوية منفذ الهجوم، الذي أعلنت أنه قتل.

فما دلالات توقيت الهجوم قبل نحو أسبوعين من الانتخابات المبكرة في بريطانيا، وأهم التداعيات المتوقعة بعد إعلان تنظيم الدولة مسؤوليته عن الهجوم؟ وهل يُنتظر أن يمتد الصراع زمنيًا بين أوروبا والإرهاب؟

القادم أسوأ

من جهته، قال الباحث في مركز الدراسات الأمنية والسياسية بلندن "كيث بويفيلد" إن التعامل مع ما سماه "سرطان الهجمات الإرهابية الذي ينتشر في مختلف أنحاء العالم وليس أوروبا فقط سيستغرق سنوات كثيرة قادمة".

وأضاف، في تصريحات تلفزيونية، أن الأمر سيزداد سوءًا؛ لأن خسارة تنظيم الدولة معاقله في العراق سيقوده إلى القيام بهجمات أكبر في أوروبا والغرب، مشيرًا إلى أن السجون الممتلئة عن آخرها في بريطانيا يبدو أنها مدارس لتعبئة الأنصار للتنظيم وتجنيدهم.

وأوضح أن المتضرر من هجمات التنظيم في أوروبا هم مواطنو الدول الأوروبية والسياح الذين يأتون لزيارتها، واصفًا من ينفذون هذه الهجمات بأنهم "مجرمون لهم تاريخ إجرامي ويعانون من التهميش ويشعرون أنهم غرباء في المجتمعات الغربية".

وقال إن وسائل الإعلام الغربية تقع في خطأ كبير عندما تضع هؤلاء المجرمين في خانة واحدة مع المسلمين المعتدلين، ودعا هذه الوسائل إلى تسليط الضوء على الأنشطة الجيدة التي تقوم بها الجمعيات الإسلامية في بريطانيا، واصفًا عمدة لندن صديق خان بأنه مثال ناجح ومتميز للمسلم المعتدل.

هجوم متوقع

من زاويته، يرى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية أن الهجوم لم يكن مفاجأة؛ لأنه على مدى سنوات تمكن التنظيم من تجنيد الآلاف من أنصاره، لاسيّما في أوروبا، معتبرًا أن الهجوم الأخير يأتي ضمن الهجمات الارتدادية.

وأوضح أن تبني تنظيم الدولة لأي هجوم يكون أحيانًا مجرد مشاركة في الأيديولوجية، وهي الهجمات التي يطلق عليها "الذئاب المنفردة"، وهناك أيضًا شبكات تعمل وفق خطة للتنظيم وبيعته.

من جهته، اعتبر الخبير الأمني المختص في قضايا مكافحة الإرهاب أوليفر غويتا أن بريطانيا أصبحت هدفًا مفضلًا لتنظيم الدولة بعد ديسمبر 2015 عندما قررت الحكومة البريطانية أن تضرب التنظيم في سوريا؛ وحينها هدد التنظيم بريطانيا.

تقصير بريطاني

وبشأن مستوى الخطر والتهديد الذي تعيشه بريطانيا حاليًا، أشار أوليفر في تصريحات تلفزيونية إلى وجود نحو ثلاثة آلاف شخص من "الجهاديين المحتملين" الذين ينبغي مراقبتهم بطريقة أو بأخرى؛ لكنه يرى أن لندن لم تقم بنصف ما يجب عليها القيام به من إجراءات أمنية.

وبالنسبة إلى التوقيت قبيل الانتخابات، يقول إن بريطانيا أصبحت على رأس قائمة الأهداف المفضّلة لتنظيم الدولة، الذي -ربما- يحاول التأثير على الانتخابات كما حدث سابقًا في مدريد وباريس؛ لكنه استبعد أن يشكل هذا الهجوم تأثيرًا على نتائج الانتخابات، خاصة أن المحافظين الذين هم أكثر شدة في مكافحة الإرهاب لديهم تقدم كبير في استطلاعات الرأي.

دلالات تبني تنظيم الدولة

وفي سياق تبني تنظيم الدولة لتفجير مانشستر، وصف الدكتور محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان، الهجوم بأنه جريمة مزدوجة، ليست فقط ضد الضحايا الأبرياء الذين سقطوا؛ وإنما كذلك ضد المسلمين الذين تُلصق بدينهم تهمة الإرهاب.

وأضاف في تصريحات صحفية أن هناك إشكالات تتمثل في فظاعات وهمجية في المنطقة العربية تُرتكب من قبل الحكام ومسانديهم -شرقيين وغربيين- ستفرز ظواهر الهجمات الإرهابية، قائلًا إن مرتكب هجوم لندن إنسان ذو حصانة فكرية بسيطة رأى فظاعات يرتكبها صليبيون ضد مسلمين في المنطقة فرد عليها، معتبرًا أن ما حركه هو الفظاعة وليس العامل الديني.

وقال: المشكلة أن السياسيين، سواء في المنطقة العربية أو الغرب، يعالجون الأعراض ولا يعالجون الأمراض، وهم لا يريدون الاعتراف بالحالة المتفجرة في المنطقة، التي لن تنتهي إلا بوجود أنظمة سياسية ديمقراطية مفتوحة تحترم شعوبها وكرامة الإنسان؛ "وما دام هناك قمع واستبداد ودعم له من دول أخرى فإن الشرر سيظل يتطاير وسيصل للجميع".

تأثير الهجمات على مسلمي بريطانيا

وعن تأثير هذه الهجمات على المسلمين في أوروبا، قال الشنقيطي إنها ليست مشكلة المسلمين في الغرب ومحنتهم؛  حيث إنهم أقليات، لكنها مشكلة المسلمين في المنطقة العربية الذين يعانون أكثر؛ وخير مثال على ذلك تدمير مدن بكاملها مثل حلب والموصل.

واتهم الشنقيطي، في تصريحات تلفزيونية، النخب السياسية الغربية بيمينها ويسارها بالتواطؤ في الفظاعات التي تحدث في المنطقة العربية؛ سواء بدعم مستبدين أو تضخيم تنظيم الدولة  أو جمع أحلاف في معركة لن تنتهي، معتبرًا أن ما يقوله تفسير للعمليات الإرهابية وليس تبريرًا لها، موضحًا أن التهرب من التفسير يعني استمرار الظاهرة. 

لحظة تفجير قاعة الاحتفالات بمانشستر
ردود فعل

وأدانت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية هجوم مانشستر ووصفته بالعمل الهمجي. وتوالت ردود الفعل المنددة من مختلف عواصم العالم ومشاعر التضامن مع بريطانيا، ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب منفذي الهجوم بـ "الفاشلين الأشرار"، معبرًا عن "التضامن الكامل" مع البريطانيين.

فيما عبر البابا فرانشسكو عن حزنه العميق حيال الهجوم "الهمجي"، وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنها حزينة، وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه مستعد "لتطوير التعاون في مكافحة الإرهاب" مع بريطانيا بعد الهجوم "الوقح والمجرد من الإنسانية".

كذلك أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن "صدمته" و"حزنه الشديد" بعد الاعتداء، قائلًا إنه سيُجري محادثات مع رئيسة الوزراء البريطانية، كما أدانت النمسا واليونان وإسبانيا والدانمارك وهولندا والصين وأستراليا وباكستان والهند وتركيا الهجوم.

وعربيّا، عبّرت السعودية وقطر والأردن وفلسطين والعراق عن إدانتهم للهجوم.

وتبلغ نسبة المسلمين 5% من عدد السكان الإجمالي في بريطانيا، بحسب إحصائية للمجلس الإسلامي البريطاني نشرتها شبكة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في 2015 وذكرت أن عدد المسلمين بلغ 2.71 مليون، 47% منهم ولدوا في بريطانيا، في الوقت الذي أفادت فيه صحيفة "ديلي ميل" البريطانية في 2016 بأن العدد تخطى الثلاثة ملايين مسلم.