كيف استغلت بريطانيا القرصنة لحكم الخليج العربي؟

نشرت صحيفة "ذا ناشونال" مقالًا للكاتب "نيك ليتش" تحدث فيه عن وجهات النظر التاريخية لقبيلة "القواسم"، التي ظهرت في منطقة الخليج عام 1727، واعتبرهم البعض مجموعة من القراصنة؛ بينما قال مؤرخون إنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم من الوجود البريطاني.

وإلى نص المقال: 

يُعتبر "رحمة بن جابر الجلهمي" أحد أبرز القراصنة في قلب الخليج، واستمرت شهرته بعد قرون من موته. وظهرت هذه الشهرة في القرن التاسع عشر كـ"قرصان الساحل"؛ وما يميّز "رحمة" هو الأحداث المحيطة بموته، مثل المغامرات التي قام بها.

ولقي "رحمة"، الذي ينحدر من أسرة كويتية، حتفه في معركة بحرية بسواحل البحرين عام 1826؛ عندما فجّر سفينته التي عليها ابنه ذو الثمانية أعوام لعدم رغبته في احتجازه.

وعلى الرغم من كتابة مؤرخ يدعى "جون ماندفيل" عن القرصنة في 1975؛ فإن المؤرخ "سايمون ليتون" قال مؤخرًا في محاضرة حديثة في لندن إن فهم القرصنة أمر هام لفهم تاريخ المحيط الهندي والخليج العربي في أوائل 1800، وهو الوقت الذي أصبحت فيه المنطقة مركز المنافسة الاستراتيجية التي امتدت من لندن حتى باريس وموسكو وطهران.

وقال "ليتون" إنه من الهام معرفة ذلك لفهم تطور الخليج وظهور الإمارات، ويعمل ليتون الآن على كتابه الجديد "الدول القراصنة: الإمبريالية البريطانية في عالم المحيط الهندي"، وهو الكتاب الذي يتحدث عن مسار القرصنة، وتخطى النموذج الإمبريالي القديم، وانتشر حتى السبعينيات.

وقال ليتون إنه منذ بداية الغزو الأوروبي للمحيط الهندي، استخدم الأوروبيون، الذين لم يتعاملوا كثيرًا في التجارة، القرصنة وقدرتها التكنولوجية بشأن الحروب لصالحهم.

وحتى السبعينيات، كانت القصة الأساسية بشأن قرصنة الخليج التي صدرت عن مصادر بالإمبريالية البريطانية مثل كتاب "تاريخ البحرية الهندية" للكاتب تشارلز لو، المنشور في 1877، و"دليل الخليج" للكاتب جون جوردون لومير المنشور في 1908، وركز على قبيلة القواسم، وهي سلالة بحرية في الخليج العربي مقرها في رأس الخيمة مع وجود بؤر استيطانية على جانبي مضيق هرموز، وهذه الفترة شهدت تزايد الحروب التي قادتها القواسم منذ 1770 فصاعدًا، وهي الفترة التي قال لومير إن أسطول القواسم بدأ فيها يجوب البحار نهبًا دون تمييز.

وشهدت هذه الفترة سلسلة من الغارات ضد السفن البريطانية، مثل "الفايبر" التي تعرضت للهجوم في بوشهير على سواحل إيران في 1797، وكذلك سفن تريمير وشانون التي هاجمها الشيخ قاضي القاسمي في 1804، وكذلك مقتل 30 شخصًا من طاقم سفينة سيلف، وهو تابع لبريطانيا، في أكتوبر 1808، ومنيرفا التي سقطت في أيدي القواسم في 1809 بعد عامين من المعارك البحرية.

وبعد سقوط منيرفا، وقع أول هجوم بريطاني على عاصمة القواسم في نوفمبر 1809 في رأس الخيمة، وهي الهجمة التي بدأت بقصف بحري ونتج عنها إحراق المدينة عن بكرة أبيها.

وعلى الرغم من وحشية الاعتداء، الذي وقعت بعده حملة بحرية واسعة النطاق وتسبب في تدمير أكثر من مائة سفينة من القواسم؛ فإن الأمر استغرق هجمة أخرى في 1819 قبل أن تعلن بريطانيا انتصارها وتوقيع معاهدة؛ وكان على القواسم بموجبها التوقف عن القرصنة والإغارة.

ثم في 1853 أُجبر حكام المشيخات الساحلية على توقيع معاهدة ثانية "الهدنة البحرية الدائمة"، التي تسببت في إنشاء الإمارات المتصالحة، وجاءت منها الإمارات.

فإذا كانت الحقائق والتواريخ الأساسية بشأن إنشاء الإمارات المتصالحة ليست محلًا للتشكيك؛فإن الفهم التاريخي للقرصنة الخليجية والعنف، الذين ساعدا على إنشاء الهيمنة البريطانية المبكرة في المنطقة، يعتبران محل نقاش.

وفي 1986 كتب الشيخ سلطان بن محمد القاسمي "أسطورة قرصنة العرب في الخليج"، وقال إن البريطانيين اعتبروا القواسم قراصنة بسبب التهديد الذي مثلوه على التجارة، وهو الموقف الذي دعمه عالم الاجتماع الكويتي "خلدون النقيب"، مؤلف كتاب "المجتمع والدولة في الخليج وشبه الجزيرة العربية في 1987، ورأى أن مقاومة القواسم للبريطانيين أمر شرعي.

وبناء على هذه الآراء، يعتبر ليتون مؤرخًا سعى إلى فهم القرصنة في الخليج في سياق استراتيجي ومن ناحية مفاهيمه؛ حيث قال إنه اهتم بطريقة تغيّر مفاهيم القرصنة على مر الأوقات، خاصة عندما نقارن بين عالم المحيطين الهندي والأطلسي.

وأضاف أنه في عالم المحيط الهندي، توقف استخدام المصطلح داخليًا، وبدأ تطبيقه على الأشخاص في الخارج؛ ولذا أصبح أداة هامة في إنشاء الإمبراطورية البريطانية البحرية هناك. وبالنسبة إلى "ليتون"، أصبحت الهند نقطة ارتكاز للنشاطات البريطانية المناهضة للقرصنة، والتي امتدت شرقًا حتى جنوب شرق آسيا وغربًا حتى الخليج في المنطقة التي توجد بها القواسم، وكان حظًا سيئًا لوقوعهم بين القوى المتواجدة؛ خاصة عمان وبلاد فارس الذين دعمتهم بريطانيا.

وتحدث "ليتون" أيضًا عن كتابات المؤرخة الفرنسية "جويلميت كروزيت"، التي عرضت في كتابها "تكوين الشرق الأوسط" صعود رئاسة شركة بومباي في شرق الهند والقلق السياسي الذي أثير في البداية بسبب الخوف من إحياء الوجود الفرنسي في الغرب وفي جنوب آسيا.

وقالت إنه منذ لحظة وصول الأسطول الفرنسي في خليج إسكندرية 1 يوليو 1798، فإن مخاوف الغزو الفرنسي للهند جاءت في مخيلات الدبلوماسيين البريطانيين. وما كانوا يخشون منه هو إمكانية إنشاء نابليون لممر بحري في البحر الأحمر وعبر المحيط الهندي الذي قد يستخدمه لغزو الهند البريطانية.

وأضافت "كروزيت" أنه حتى بهدوء مخاوف الغزو الفرنسي لم تنته مخاوف الهند وبريطانيا من الإمبراطورية؛ بل كشفت غياب نظام الحماية في مدن بومباي ومدراس وكلكتا التي شكّلت وجود شركة الهند الشرقية في شبه القارة.

وأوضحت المؤرخة أن السيطرة على الخليج كانت تحركًا للحماية والدفاع عن النفس، وسواء كانت القبائل في رأس الخيمة قراصنة أم لا، فإن ذلك لم يهم؛ بسبب استخدامهم في كل الأحوال كبش فداء للإمبراطورية. ولذا فإن رئاسة بومباي هاجمت رأس الخيمة في المرة الثانية ووقعت الاتفاقية حتى تصبح الخليج منطقة عازلة جديدة، وسواء كانت هذه المخاوف مبالغًا فيها أم لا؛ فإنها كانت كافية لتعزيز التوسع البريطاني.

ومثل ليتون، وضعت كروزيت الهجمات ضد القواسم ضمن الجدول الزمني لتوسع الإمبريالية الأنجلو هندية التي بدأت من البنغال في الشرق وحتى الخليج في الغرب. مضيفة أن الرئاسة حاولت التوسع على كل جبهة، وبينما حاولوا استخدام غرب آسيا والخليج كجناحهم الغربي، فإنهم حاولوا تأمين الحدود الشمالية الغربية وبورما في الوقت نفسه.

واعتبرت كروزيت أن أفعال رئاسة بومباي نقطة تحول في تكوين إمبراطورية أنجلو هندية شبه مستقلة في الخليج، ورأت أن استخدام القرصنة كوسيلة سهّلت إنشاء مستعمرات وتحويل السكان المحليين إلى تابعين للإمبراطورية.

وقال "ليتون" إن الإرهاب يعتبر شيئًا يطبق فيه الأشخاص مفاهيم متماثلة، بمعنى أن إرهاب شخص قد يعتبره شخص آخر قتالًا من أجل الحرية؛ ولذا فإن الأمر يرجع إلى وجهات النظر والآراء. 

وقال فلاسفة إن هذا هو التفسير الذي أعطي للإسكندر الأكبر من قراصنة بعد اعتقالهم. وعندما سأله الملك ماذا يعني باستمرار العداء والسيطرة في البحر جاء رده بأنه عندما يفعل ذلك بسفينته الصغيرة يُطلق عليه "سارق"، بينما عندما يفعل ذلك الملك بأسطوله العظيم يُطلق عليه "إمبراطور".

المصدر