الإجراءات الاقتصادية القاسية قضت على "فرحة رمضان"

حتى فوانيس رمضان لم تسلم من تبعات ارتفاع الأسعار في مصر؛ فهذه الزينة الأساسية في الشهر تحرص أُسرٌ على اقتنائها كلّ عام لإشاعة جو من الفرح لدى الأطفال خصوصًا، إضافة إلى تزيين الشقق والشوارع. لكن الأزمة الاقتصادية دفعت البعض إلى تصنيع الفوانيس يدويًا باستخدام الورق المقوّى والمعادن.

في الوقت نفسه، تغزو الفوانيس الصينية الأسواق المصرية؛ فتنافس بشكل كبير الصناعة المحلية. لكن هناك عزوفًا لدى المصريين عن شراء أيّ من الفوانيس في كلّ الأحوال نتيجة ارتفاع أسعار السلع الغذائية. يفضّل كثيرون الإحجام عن شراء الفوانيس هذا العام خصوصًا بعد قرار المصرف المركزي بتعويم الجنيه وارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي في البنوك المصرية الرسمية.  

في جولة بشوارع القاهرة، لم يظهر إقبالٌ على شراء فوانيس رمضان. ويُرجع التجار سبب الارتفاع الكبير في أسعار الفوانيس التي تمنع المواطنين من شرائها إلى زيادة كلفة المواد المستخدمة في صناعتها محليًا، وزيادة الجمارك والنقل على المنتجات المستوردة.

إصابة في مقتل

يقول مصطفى سليمان، وهو مالك محل لبيع الفوانيس وغيرها من أدوات الزينة في منطقة العتبة، إنّ الظروف الاقتصادية أصابت بيع الفوانيس في مقتل، بعدما انخفض حجم المبيعات إلى أقل من مائة جنيه (خمسة دولارات أميركية ونصف الدولار) يوميًا؛ نتيجة غلاء الفوانيس من ناحية، وارتفاع أسعار السلع الغذائية من ناحية أخرى.

في منطقة السيدة زينب الشعبية بالقاهرة، ترافق ناصر مصطفى ألحان المطربة "أم كلثوم" أثناء صناعته فانوس رمضان التقليدي. يرتعش لهيب النيران ويُذيب المعدن، ليقول مصطفى إنه يعشق زخرفة فوانيس رمضان التقليدية للأسرة المصرية.

تقترن الفوانيس بشهر رمضان، فتزيّن المنازل والشوارع والمحال التجارية وتضيؤها بمجرد اقتراب الشهر الكريم، الذي يصوم فيه المسلمون طوال ساعات النهار.

بدأ مصطفى في صناعة الفوانيس الرمضانية منذ عام 1990، ويدير صاحب الـ48 عامًا الآن ورشة العمل نفسها التي عَمِل فيها لأكثر من 20 عامًا.

تأثير التضخم

يشتكي مصطفى، والد ثلاثة أطفال، من ارتفاع معدل التضخم في مصر، وتأثيره على عمله في صناعة الفوانيس.

"في العام الماضي كنت أُنتج آلاف الفوانيس، لكن هذا العام خفّضت إنتاجي بنسبة 75%. كان لدي ثلاثة عمّال، وأربعة في بعض الأحيان؛ لكن الآن ليس لدي سوى واحد".

المواد المستخدمة لصنع الفوانيس تشمل الصفيح والزجاج والورنيش، كل شيء يستورد في مصر باستثناء الزجاج، الذي لم ينج من ارتفاع الأسعار هو الآخر.

وفقًا لمصطفى، زادت أسعار هذه المواد بمعدل أربعة أضعاف؛ ما اضطره إلى خفض إنتاجه، وتقريبًا مضاعفة سعر الفوانيس لتحقيق ربح ضئيل.

يضيف مصطفى أن "العامل الأصغر والأقل خبرة سيعمل مقابل أجر يتراوح بين مائة جنيه مصري (5.53 دولارات) و150 جنيهًا مصريًا يوميًا".

يُنتج مصطفى فوانيسه على دفعات مئوية: "إنتاج الفوانيس الصغيرة الحجم يستغرق يومين للانتهاء، في حين أن الفوانيس الكبرى الحجم يمكن أن تستغرق من أسبوع إلى اثنين".

يقول مصطفى إن مبيعات ورشة العمل هذه انخفضت بنسبة 70%.

لأرباح صغيرة تتراوح بين ثلاثة جنيهات وخمسة (16 إلى 27 سنتًا أميركيًا)، يبيع مصطفى فوانيسه اليدوية ذات الحجم المتوسط ​​مقابل 45 جنيهًا مصريًا (2.49 دولار) للفانوس الواحد، مقارنة بسعره العام الماضي، الذي كان يبلغ 27 جنيهًا مصريًا (1.49 دولار أمريكي).

تتراوح أسعار الفوانيس الكبرى، المستخدمة في معظمها لتزيين المنازل والشُرفات ومداخل البناء، بين مائة جنيه مصري (5.53 دولارات) و400 جنيه (22.22 دولارًا)، حسب تصميمها والمواد المستخدمة فيها.

في أبريل، ارتفع معدل التضخم في مصر إلى أعلى مستوى له منذ ثلاثة عقود، بعد تحرير الحكومة سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر 2016؛ ما جعله يتراجع مقابل الدولار.

كان ذلك جزءًا من إجراءات اقتصادية مرتبطة بقرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

صدمة

في سوق بمدينة نصر، شرق القاهرة، كانت سلمى فؤاد مع والدتها تشتريان فانوسًا صفيحيًا كبيرًا لتزيين منزلهما في استقبال رمضان.

كان ارتفاع الأسعار صدمة للأم. مع ذلك، ورغم ارتفاعها، اضطرت إلى شراء فانوس بسعر يقرب من ضعف ما دفعته في العام الماضي.

تقول الأم: "تضاعفت الأسعار، لكن عائلتي، بما في ذلك الأطفال والبالغون، تعتقد أن الفانوس الجديد يمثل سعادة رمضان وفرحته. لا يمكننا أن نُمرر شهر رمضان دون شراء فانوس".

كبديل عن الفوانيس المُنتجة محليًا في مصر، يُفضل عملاء شراء الفوانيس الصينية الصنع، مُدعين أنها أقل تكلفة وأكثر أمنًا للأطفال للعب. لكن، بسبب اللوائح الصارمة المفروضة على الواردات، انخفض عدد الفوانيس الصينية في السوق.

تقول هبة محمد، وهي أم لثلاثة أطفال: "الفوانيس المصرية المصنوعة من الصفيح غالبًا ما تكون لها حواف حادة جدًا، كما أنها عُرضة للصدأ على المدى الطويل".

الفوانيس الصينية أرخص من تلك المصنعة محليًا بما يقرب من دولار واحد، لكن مصطفى يرى أن النسخ المُقلدة ليست بقيمة تلك الحقيقية نفسها.

يضيف: "إنها مجرد ألعاب تغني وترقص، وربما تبدو أكثر جذبًا للمشترين بسبب ذلك".

في الماضي، كانت الفوانيس الصينية الصنع منافسًا قويًا للمنتجات المُصنعة محليًا، لكن في عام 2015 أصدرت وزارة الصناعة والتجارة المصرية مرسومًا نادرًا يحظر استيراد الفوانيس الصينية الصنع وغيرها من المنتجات المصرية التقليدية. كانت الفكرة من هذا القرار إعطاء المنتجات المحلية دفعة للأمام.

يقول عمر الشنيطي، العضو المنتدب لشركة "مالتيبلز جروب"، إن البنك المركزي اتخذ خطوات لتقييد استيراد بعض المنتجات؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار الواردات كذلك.

في ديسمبر 2016 ارتفعت الجمارك بنسبة تصل إلى 60% على 364 منتجًا؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وخاصة في أسعار الغذاء.

يتوقع الشنيطي أن ينخفض ​​سعر الدولار قليلًا بعد شهر رمضان، حيث غيّر مصريون عملتهم لأداء العمرة في مكة أثناء شهر رمضان. يضيف أنه مع قدوم الصيف، يعود مصريون عاملون بالخارج إلى بلدهم لقضاء وقت مع الأصدقاء والعائلة؛ ما يُزيد من المعروض من الدولار في البلاد.

"من الواضح أن الأمور تستغرق وقتًا أطول من المتوقع. نعم حاربنا السوق السوداء، لكن الدولار الأميركي لم يستقر في وضعه العادل مقابل الجنيه المصري، ولا يقترب حتى من المعدلات المتوقعة في وقت التعويم الحر"، كما يقول الشنيطي.

توقع الشنيطي وغيره من الخبراء الاقتصاديين أن يستقر الدولار ما بين 13 جنيهًا و14 (0.71 إلى 0.77 دولار) بعد ستة أشهر، لكنه لا يزال فوق 18 جنيهًا.

يعترف الشنيطي بأن التضخم سيظل مستمرًا إلى العام المقبل. "مع ذلك، سيشهد انخفاضًا طفيفًا في المعدل؛ لأنه لن يكون هناك تراكم كبير نتيجة لصدمة السوق مثلما حدث هذا العام".

إلا أن مصريين كثيرين، مثل مصطفى، لا يستطيعون انتظار تحسن الوضع الاقتصادي. يقول مصطفى إنه لا يمكنه تحمّل الغلاء.

"هل يمكن لأي شخص هذا العام أن يقترب من الفواكه الجافة في رمضان؟"، يتساءل مصطفى قائلًا إن الكيلوجرام من التمور الجافة العام الماضي كان يبلغ ستة جنيهات وعشرة (33 سنتًا و55)؛ لكنه الآن يبلغ 30 جنيهًا (1.65 دولار) و35 جنيهًا مصريًا.

يختتم: "كنا صبورين في السنوات الثلاث الماضية. في الواقع، صبرنا لفترة أطول من ذلك؛ لكن بعد ذلك ماذا حدث؟".

المصدر