المُحَيِّر والمأمول .. من نخبة الثورة المصرية!

في التاريخ الحديث لمصر الفرعونية مقولة مفادها؛ مَن لم يُعتقل في زمن عبد الناصر فلن يعتقل بعده، ومن لم يسرق في زمن السادات فلن يسرق بعده، ومن لم يفتقر في زمن مبارك فلن يرى الفقر من بعده.

بشكل أو بآخر كان البعض يرى تلك مقولة صحيحة تعبر عن الواقع إلى حد بعيد، إذ عبرت عن الحقبة السوداء في زمان عبد الناصر، ثم "انفتاح" الحيتان والقطط السمان الاقتصادي في زمن السادات، ثم الفقر والفلس الاقتصادي في عقود الضنك الثلاثة لمبارك.

في نهاية عصر مبارك بعد إذ أَسلَمَنا لنجله كريه الوجه والسِحنة؛ كان الشعار الذي رفعه "العبور إلى الألفية الجديدة"، واعتبروه وقتها أحد حسناته وحسنات أبيه.

لم نكن ندري وقتها أن الحفاظ على حياة الشعب ــ أي حياة ــ هي مِنَّة تستحق الشكر والتقدير والعرفان.

أي وصف الآن يمكن أن يُعَبِّر عن واقعنا في ظل الانقلاب المشؤوم، وحالنا في عهد نَكِد الطالع وسئ الذكر "العرض"؛ عبد الفتاح السيسي.

أصبح السجن والإعتقال.. متاحاً للجميع، وباتت السجون هي نافذة المستقبل لأهل المحروسة، وكثيراً ما تكون بوابة عاجلة للآخرة.

أما التعذيب في الأقسام وأحكام القضاء والإعدامات فحدث ولا حرج، ولو نجا منهم أحد لنجا منه صبيان الانقلاب وسدنته وحوارييه.

التصفية والقتل .. لم نر قتلاً في تاريخ المصريين كما نراه الآن، بدأوا بقتل وحرق الآلاف في يوم واحد، ثم انتقلنا إلى التصفية اليومية بدم بارد للمصريين أفراداً وزُرافات.

الخلاصة أن صدمات الأنقلاب القاسية أصبحت تصبحنا وتمسينا حتى بات الشعب المصري كله مؤيد ومعارض يرى النجوم في عز الظهر كما يقولون..

اذا كان هذا الصادم فإن المُحَيِّر لحد الدهشة والذهول هو استقبال نخبتنا لهذا السلوك الصادم الشاذ!!.

نخبة الثورة - وفيها الخير من غير شك - لا زالت رغم هذا الواقع الأسيف تتنازع على ما بعد الإنقلاب!!.

هذا السلوك المُحَيِّر لا أدري إن كان ينم عن ثقة ويقين في أن الإنقلاب سَيُبقِي من الكنانة ما يمكن أن يُتنازع عليه، أم أن نخبتنا اعتبرت أن مهمتها التنازع، بينما هناك من لا نعرفه - النخبة تعرفه - منوط به كسر الانقلاب واسترداد أطلال الوطن.

مازلنا نُراوح مكاننا، مشغولين بنفس الحوارات والاتهامات والعراك الذي أسقط تجربتنا الديمقراطية الأولى ومنح العسكر فرصة إمتطاء ظهورنا جميعاً وتركيع الشعب.

الرضا على الرئيس محمد مرسي أو الرفض له، وما بين هذا وذاك ضاع الوطن!!.

لا أعتقد أن صيرورة الجدل والاستقطاب لكون مرسي من الاسلاميين، فليس الإسلاميين أو غيرهم أولاد البطة السوداء!!.

لا أعتقد كذلك كون الرئيس جانبه الصواب أحياناً أو كثيراً في قراراته .. ومَن في هذه الفترة لم يُخطئ؟!..

من خرج من هذه الفترة بغير خطيئة فليرم الدكتور مرسي بألف حجر.

ربما لأن الرئيس لم يسمع كل نصيحة وُجِهت له، ومن يستطيع في موقع مسؤولية تلبية كل الأراء والنصائح؟!..

ربما لأنه لم يعين كل الناشطين والسياسيين والثوار في مراكز السلطة واتخاذ القرار .. وهل تكفي المناصب كل الحالمين؟!..

ثم ماذا عن الذين عينهم واستعان بهم؟!.

ربما لأن الرئيس وافق على تمرير دستور لم يرضي كل الفرقاء..  وهل من دستور سيجتمع عليه الناس؟..

ربما لأن الرئيس كان إصلاحياً بينما يرى البعض أن أولى أن يكون ثورياً .. وماذا عن قرارات له كانت ثورية، هل تقبلها الناشطون بقبول حسن أو رضوا عنها أو عنه؟!.

عشرات بل مئات من "ربما" هذه لن تُسقِط الإنقلاب ولن تغير من الواقع شيئاً، كما أنها لن تُبَرِّئ نخبتنا من الخطايا إلا بقدر ما تثبت الأخطاء على الرئيس.

لا أريد أن أصطف في خصام مُخزِي يضر ولا ينفع، ولا أريد لنخبتنا الإنجرار في سقطة تَبَادُل التهم واستهلاك الوقت في ظرف عصيب يتم فيه تفتيت الوطن وسرقته ونسفه.

الأمل والرجاء.. أن تحسن نخبتنا قراءة الواقع، وأن تتعالى عن الحساسيات القديمة وترتفع إلى مستوى الأحداث، قبل أن لا يبقى لنا مستقبل ولا حاضر ولا وطن من الأساس.

هل يمكن أن نتجاوز مسألة الرئيس احتراماً للمسار الديمقراطي؟.

هل يمكن أن نستهدف استكمال أول تجربة ديمقراطية حقيقية ونزيهة؟.

هل يمكن أن نعلو على هذا الاستقطاب الكارثي في ظرف لا يتحمله الوطن؟.

هل يمكن أن نتوافق جميعاً على حكومة واسعة الصلاحيات تبدأ عملها من الآن؟.

هل يمكن أن نتوحد على مسودة لتعديل لدستور 2012 تكون جاهزة لاستفتاء الشعب عليها؟.

هل يمكن أن نحدد شخوص المرحلة الإنتقالية ورموزها ولا ننسى أبطال وقامات غيبتهم السجون؟.

هل يمكن أن نستهدف وضع قواعد حاكمة للقضاء والإعلام وتحديد قامات مؤهلة لذلك تعكف عليه من الآن؟.

هل يمكن أن نقف دقيقة حداد على من سقطوا شهداء ومازالوا يسقطون، ثم نقف ألف دقيقة لما يلاقيه الأحرار في أقبية المعتقلات؟.

نداء أخير لكل الأحرار في نخبة الثورة..

كلنا مكلومون .. والجراح تحاصرنا جميعاً  

كلنا أنفقنا من أوقاتنا وجهودنا وأموالنا وربما من أهلينا ودماءنا..

لكن هل من نداء أن نتأمل بعين الإنصاف ما يعانيه الرئيس منذ الإنقلاب!!.

وقفة عرفان يقتضيها ثبات وصمود أسير الثورة المختطف الإنسان محمد محمد مرسي العياط؟!..

 




هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه