"لوموند": السيسي يخنق المعارضة والمجتمع المدني لإجهاض أيّ مُنافِس

"يوم تلو الآخر، يضيق هامش حرية التعبير في مصر؛ بسبب تجبّر السيسي وإصراره على تكميم أصوات المعارضة النادرة، وجمعيات المجتمع المدني، وكلّ من تسوّل له نفسه انتقاد النظام".

هذا ما قالته صحيفة "لوموند" الفرنسية في عددها الصادر اليوم الأربعاء، في مقال تناولت فيه توجّه عبدالفتاح السيسي والحرب الشرسة التي يقودها ضد المعارضة والجمعيات الأهلية والصحافة المستقلة.

واستعرضت الصحيفة سياسة القمع ضد الشخصيات والأفراد الذين يعارضون نظام السيسي؛ فمنذ صيف 2013 بدأ الإجهاز على مجمل الحريات التي فرضتها ثورة 25 يناير 2011 واحدة تلو الأخرى تحت مسمى "الأمن القومي".

حنق المجتمع المدني 

وذكرت الصحيفة أن أحدث حلقة في مسلسل الإجهاز على الحريات في مصر إصدار السيسي الاثنين الماضي بشكل رسمي قانون تنظيم الجمعيات الأهلية، الذي أصدره البرلمان في نوفمبر 2016، وهو القانون الذي يحكم عمليًا بالموت على منظمات المجتمع المدني؛ بما فيها التي تنشط في المجالين الاجتماعي والخيري ولا تُشكّل أي خطر على النظام.

وبحسب الصحيفة الفرنسية، فإن القانون الجديد سيكبل أيادي أعضاء حوالي 46 ألف جمعية مدنية ومنظمة؛ لأنه يتضمن عقوبات سالبة للحرية تصل إلى خمس سنوات وغرامات مالية باهظة. وعلى الجمعيات، سواء المصرية أو الفروع الوطنية للمنظمات الدولية، من الآن فصاعدًا طلب الإذن قبل ممارسة أي عمل ميداني من "مجلس" خاص بالجمعيات، يتكون من ممثلي أجهزة الجيش والداخلية والاستخبارات وممثلي وزارة الخارجية والعدل والبنك المركزي.

"الأسوأ في تاريخ مصر"

ونقلت "لوموند" عن محمد زارع، مدير مكتب القاهرة لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، قوله إن هذا القانون "هو الأسوأ في تاريخ مصر". 

وقالت الصحيفة إن محمد نفسه، وكذلك عشرات من زملائه، ممنوع من السفر بقرار قضائي يتهم المنظمة التي يديرها بأنها "تلقّت تمويلًا خارجيًا يشكّل خطرًا على أمن الدولة".

كما أوردت الصحيفة شهادة حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي قال: "سندخل كلنا السجن بسبب هذا القانون الذي يحكم بالزوال على المجتمع المدني الذي عانينا من أجل بنائه منذ ثلاثين عامًا".

التضييق على الصحافة

ولفتت الصحيفة النظر إلى الحملة الشرسة التي يقودها السيسي على الصحافة بالموازاة مع سياسة التضييق وقمع المجتمع المدني؛ إذ حجب 21 موقعًا إعلاميًا على شبكة الإنترنت، من بينها مواقع قطرية؛ بسبب الأزمة الأخيرة التي نشبت بين قطر وحليفَي السيسي في منطقة الخليج: السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وفي غمرة الحجب، وبسبب "عمى القمع"، دفعت الثمن مواقع أخرى لا علاقة لها بقضايا الخليج؛ مثل الموقع الإخباري المستقل "مدى مصر" وموقع الصحيفة اليومية الناطقة بالإنجليزية "ديلي نيوز إيجيبت".

قمع المعارضين

وتطرقت "لوموند" إلى سياسة القمع ضد الشخصيات والأفراد الذين يعارضون نظام السيسي، واستندت إلى أرقام "منظمة العفو الدولية" التي كشفت عن موجة جديدة من الاعتقالات في شهر مايو الجاري، وشملت 36 شخصًا من 26 مدينة اعتقلوا بتهم تتراوح بين "الإرهاب" أو "توجيه شتائم للرئيس"؛ وجلّ هؤلاء المعتقلين شباب مرتبطون بأحزاب أو منظمات يسارية أو ليبرالية. 

ونوهت الصحيفة إلى أن البرلمان يحضر قانونًا جديدًا لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة "فيس بوك" و"توتير"، والتحكم في محتوياتها، موضحة أن "الداخلية" المصرية أعلنت في 19 مايو اعتقال 40 شخصًا وجهت إليهم تهمة "التحريض على العنف" في وسائل التواصل الاجتماعي.

واستندت "لوموند" إلى شهادة مديرة منظمة العفو الدولية فرع شمال إفريقيا، نجية بونعيم، التي قالت للصحيفة إن "القمع الشرس للمناضلين السياسيين إشارةٌ جديدة تعكس رغبة السلطات في قمع كل أطياف المعارضة السلمية وخنق أي رؤية بديلة". 

وأكدت نجية أن "عشرات الثوار الذين شاركوا في ثورة 25 يناير يقبعون في السجون لمجرد أنهم تحدوا الأوامر بمنع التظاهرات". وبحسب المنظمة، يعني هذا أن النظام "هدفه إجهاض أيّ محاولة لمنافسة السيسي في الانتخابات الرئاسية المقرر لها العام المقبل؛ والدليل على ذلك التضييق الذي يتعرض إليه المحامي والمرشح السابق في الانتخابات الرئاسية خالد علي لمنعه من الترشح مرة أخرى ضد السيسي".

واعتبرت "لوموند" أن خالد علي، الذي اعتقل مؤخرًا بتهمة ارتكاب فعل فاضح ثم أُطلق سراحه، بات يقضّ مضجع النظام المصري؛ خاصة في ضوء نشاطه في الحركة الاحتجاجية الشعبية ضد تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين لصالح السعودية، وأيضًا احتمال تبلور تكتل سياسي بديل لدعم ترشيحه ضد السيسي.