مساعٍ مصرية لتعويض نقص مياه النيل بإحياء مشروع قناة "جونقلي"

تبحث جهاتٌ استخباراتية وفنية ودبلوماسية مصرية سُبل إقناع حكومتي السودان وجنوب السودان بإعادة إحياء مشروع قناة جونقلي لاستفادة أكثر من المياه في منطقة السدود ومستنقعات بحر الجبل وزيادة المياه الواصلة لمصر، كجزء من محاولات إيجاد بدائل لزيادة حصة مصر من المياه بعد تزايد حدة تهديدها باستمرار العمل لإنجاز سد النهضة الإثيوبي وتعثّر الاتفاق على قواعد ملئه بين مصر والسودان وإثيوبيا حتى الآن.

وكشف مصدر حكومي مصري أن السيسي أمر بفتح ملف مشروع قناة جونقلي من قبل، أثناء فترة عضويته في حكومة إبراهيم محلب الأولى عام 2013، وكلّف وزارة الموارد المائية والري بإعداد دراسة وافية عن المشروع انتهت إلى وجود عقبات مالية ودبلوماسية عدة تجعل من شبه المستحيل إحياءه.

فيما ذكر مصدر بوزارة الري المصرية أن القاهرة تحاول حاليًا إقناع إثيوبيا والسودان للوصول إلى حل وسط في ما يخص تسوية الخلافات المالية، مع تقديم عرض لجنوب السودان لإقامة مشاريع تنموية ومرفقية في ولاية جونقلي مقابل المشاركة في إنجاز ما تبقى من المشروع بمعزل عن الخرطوم.

وأوضح المصدر أنه رغم جودة العلاقات المصرية الجنوب السودانية حاليًا وتزامنها مع تدهور مستمر للعلاقات بين القاهرة والخرطوم؛ إلا أن عقبة المشاكل المالية بين السودان والجنوب تقف عائقًا أمام اتخاذ قرار استئناف المشروع سياسيًا وفنيًا.

جذور مشروع قناة جونقلي 

وفي يوليو 1976 أسند العمل في مشروع قناة جونقلي إلى شركتين فرنسيتين، وحُفِر 265 كيلومترًا (من إجمالي 360) هي الطول المخطط للقناة الواصلة بين مدينة بور (عاصمة ولاية جونقلي) ومدينة ملكال، كذلك نُفّذت مشاريع تنمية للقبائل المقيمة في هذه المنطقة وكانت تعارض شق القناة بحجة أنها ستغير طبيعة أراضي الرعي التي ينشطون فيها.

لكن ولاية جونقلي شهدت شرارة اندلاع الحرب الأهلية السودانية عام 1983 فتوقف حفر القناة نهائيًا في فبراير 1984 بعد هجوم المتمردين على معسكر سوباط، فأجبرت الشركتان الفرنسيتان مقاول المشروع على مغادرة المنطقة، ولجأتا إلى التحكيم الدولي ضد السودان، الذي كانت المنطقة تقع في أراضيه حتى استقلال جمهورية جنوب السودان عام 2011.

وفي عام 1988 أصدرت هيئة التحكيم حكمًا لمصلحة الشركتين الفرنسيتين بإلزام وزارة الري السودانية (بصفتها الطرف المتعاقد رغم أن الأموال كانت مناصفة بين مصر والسودان معًا) بدفع تعويض، واستمر البلدان يدفعان مبالغ تعويضية حتى عام 2000 بإجمالي 75 مليون دولار.

لكنّ تأزّم الأوضاع السياسية بين النظام الحاكم في السودان والرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، وكذلك انشغال السودان بالأوضاع المتوترة في الجنوب، أديا إلى توقف البلدين عن سداد الأقساط الباقية المستحقة، التي كانت تبلغ بالفوائد حتى عام 2003 نحو 38 مليون يورو؛ وأدى هذا التوقف إلى الحجز على حسابات سودانية حكومية في المصارف الفرنسية.

وبعد استقلال جنوب السودان، طالبت جهات قضائية ودبلوماسية سودانية بإعادة احتساب المبالغ المستحقة لتعويض الشركتين الفرنسيتين على أساس تحمّل مصر نصف المبالغ باعتبارها كانت تملك 50% من المشروع، وأن يعاد تقسيم نسبة 50% الباقية بين السودان وجنوب السودان، كجزء من إعادة النظر في الديون الخارجية المترتبة على كل منهما جراء الانفصال.

ويوضّح الملف أنه رغم مناقشة هذه المشاكل المالية بين مصر والسودان وجنوب السودان، كل على حدة، في اللقاءات الرفيعة المستوى بين الرؤساء في السنوات الثلاث الماضية؛ إلا أنهم فشلوا في حلها، فالسودان يرى أن علاقته بالمشروع انتهت بانفصال الجنوب وأنه لن يفيده شيء؛ نظرًا لاكتفائه من المياه وتجاهل تحمله مسؤولية تحسين خدمات الري في الجنوب.

بينما يبدي جنوب السودان اعتراضات مالية تتمثل في أن حكومته لم تكن الطرف المتعاقد ولم تكن تحمي المشروع وقت تعثّره، وكذلك اعتراضات سياسية لها أصول تاريخية؛ فعلى الرغم من أن المشروع سيخدم المنطقة ويحقق وفرًا مائيًا ويقلل ظاهرة إهدار النيل، خصوصًا من مياه بحر الجبل؛ فإن حكومة جنوب السودان لا تريد إغضاب القبائل المقيمة في المنطقة وتتمسك بنمط حياة سيؤثر عليه المشروع سلبًا، لا سيما أن جون غارنغ زعيم الحركة الانفصالية لجنوب السودان والقائد التاريخي للجنوب سبق أن عارض هذا المشروع سياسيًا وعلميًا؛ بل وحصل على درجة الدكتوراه بأطروحة عن الآثار السلبية لهذا المشروع على السكان التقليديين في ولاية جونقلي.

وحاليًا، يزور وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور مصر رسميًا لبحث المشاكل التي طرأت على العلاقة بين البلدين والتصعيد السياسي للخرطوم ضد القاهرة في ملفي النزاع الحدودي بشأن حلايب وشلاتين ودعم المتمردين.