سياسات السيسي والنتائج العكسية

على الرغم من أن حكم الرئيس السابق محمد مرسي لم يكن ديمقراطيًا؛ فإن السيسي لم يُصلح ذلك. وعلى النقيض، حكم الدولة كإمبراطورية، وهو ما لم يتوقعه كثيرون؛ حيث كان التوقع الأكثر منطقية إنهاءه أحلام المصريين المشروعة.

وما لم يره كثيرون أن السيسي أعاد كتابة الديكتاتورية بدماء باردة، بينما توقعت المعارضة بـ"سذاجة" أنه سيستخدم الاستراتيجية بجانب القمع.

بخطواته الشرسة ضد المنظمات غير الحكومية المصرية، وطمس كل معالم الصحافة المعارضة؛ تمكّن السيسي من مفاجأة القوى الديكتاتورية العالمية. ولكن، هل تتسبب هذه الخطوات في زيادة المعارضة ضده في النهاية؟

في المقال، يوضح الصحفي والمحلل عمر خليفة، من موقع "ميدل إيست أي"، إجراءات السيسي القمعية المختلفة وتلاعبه بالقوى السياسية وما وصل إليه حال المصريين ونتيجة سياساته المتبعة.

القمع القانوني

في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بتحركات السعودية والإمارات ومصر ضد قطر، واصل السيسي محاولته لتأمين ما تبقى في هيكل القيادة والسلطة في مصر.

فَهم السيسي قواعد اللعبة وبدأ في استخدام البرلمان للتلاعب بجموع الشعب بحفنة من الأكاذيب، ويحدث كل هذا في حدود القانون والدستور المصري، ولم يعد السيسي بحاجة إلى قتل الآلاف؛ بل يسعى إلى شرعية القانون مع بعض الدبلوماسية لتفريغ الأحلام الديمقراطية للمجتمع، واستمر في التأكيد على ضرورة الاستماع إلى رأيه فقط.

تضمّنت خطة السيسي قمع الصحافة المستقلة وغلق منظمات المجتمع المدني التي تعكر صفو سرده للأحداث، ويعتبر "قانون الجمعيات الأهلية" الجديد أكثر ضررًا من قانون التظاهر الذي صدر في نوفمبر 2013.

يسعى القانون الجديد، الذي وصفته منظمة العفو بمحاولة إبادة منظمات حقوق الإنسان، إلى كبح جهود المصريين والداعمين لهم من الخروج عن الحيز الذي وضعته الدولة الأمنية.

في هذا الشأن، قال محمد زارع، مدافع عن حقوق الإنسان واجه تهمًا بتهديد الأمن القومي، إن هذا القانون لا يسري فقط على منظمات حقوق الإنسان؛ ولكنه يسعى خلف الجمعيات الخيرية وأيّ مجموعة منظّمة لا تسيطر عليها الدولة.

يعبّر هذا القانون عن الرغبة في التخلص من حوالي 47 ألف منظمة غير حكومية محلية، بجانب مائة منظمة تتلقى تمويلًا أجنبيًا، ويجب أن تلتزم هذه المنظمات بأحكام القانون في غضون سنة؛ من بينها الامتناع عن العمل في المجال الحقوقي أو أي شيء يمكن أن يضر بالأمن القومي، وأن يدفعوا 16500 دولار لبدء إعادة التسجيل مع الدولة أو يواجهوا الحبس خمس سنوات وغرامة تصل إلى 55 ألف جنيه.

استمرّ في إفقارهم

قبل وجود السيسي، سعى الحكام المستبدون في مصر إلى تقويض تأثير المجتمع المدني المصري وتقليله؛ خاصة الجماعات الحقوقية.

قد يعتقد كثيرون أن الهدف من هذا القانون الصارم التحكم في موارد المنظمات غير الحكومية المصرية أو الممولة وداول أعمالها؛ ولكن الهدف أكثر شرًا من ذلك.

تخيّل معي، هناك امرأة أُجبرت على إنشاء مجموعة سرية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتستخدمها لمطابقة الجهات المانحة من دوائرها الشخصية مع الأشخاص الذين يحتاجون هذه الأموال، من دون هذا القانون كان يمكن أن تطلب التمويل بشكل أكبر على وسائل التواصل؛ وهو ما سيجعل مهمتها أسهل في الوصول إلى الأشخاص المحتاجين إلى هذه الأموال.

تسبّب هذا القانون في ضرر بالغ للأشخاص والمجموعات الذين يعترفون بتقصير الحكومة وتدخلوا لملء الفراغ الذي تركته الحكومة بسياسات اقتصادية سيئة؛ للحفاظ على السيطرة السياسية يبدو أن الحكومة المصرية سعيدة بفقر المصريين وتريد الزيادة من هذا الفقر.

طرف ثالث

مع قرب تفجّر أزمة جزيرتي "تيران وصنافير" ومناقشة البرلمان لهذه القضية، بدأ السيسي حملة شرسة على الصحف المصرية؛ وتعتبر خطوة قمع الصحافة الحرة هدفًا للثورة المضادة. ولكن، مع خطوة كارثية تلو الأخرى، كان يجب على السيسي اتخاذ موقف حازم حيالها.

مع حجب 21 موقعًا إخباريًا، توقّع السيسي أنه قوّض الأشخاص الذين يسعون خلفه، من "مدى مصر" و"دايلي نيوز إيجيبت" إلى "الجزيرة"؛ تأثّرت صحفٌ من مختلف التوجهات بهذا القرار.

لم تتلق هذه المواقع مذكرة أو تحذيرًا، لكن فجأة حُجب الدخول إليها؛ عن طريق "طرف ثالث" استخدم التقنية نفسها التي تستخدمها الصين لحجب المواقع.

إرهاب النظام

لماذا حُجبت هذه المواقع؟ تعتمد إجابة هذا السؤال على الطرف الذي تسأله؛ حيث قالت الوكالة الإخبارية التابعة للحكومة المصرية إن هذه المواقع تنشر الأكاذيب وتدعم الإرهاب. ولكن، من وجهه نظر صحيحة، يبدو أن الإرهاب الوحيد الذي نشهده هو تحركات النظام المصري.

لا يجب على أي دولة أن تُصنِّف حرية التعبير بالكذب والإرهاب. إذا صَمَتَ الصحفيون الآن ستعمل الدولة على إسكات القراء لاحقًا.

عن طريق تقويض المعارضة وبث الرعب في نفوس المصريين بالاعتقال والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، حاول السيسي إسكات المجتمع وتمهيد الطريق للانتخابات المصرية في 2018.

لكن، يجب أن نعلم أن صمتنا الآن جريمة. عندما يحاول السيسي قمع الآراء، ناهيك عن التدمير المُنظّم للصحافة المستقلة في مصر؛ يجب أن يتساءل القراء والمواطنون: ما الذي تحاول الدولة إخفاءه؟ في هذه الحالة، يحاول النظام المصري إخفاء قلة الكفاءة وعنف الدولة وانعدام الرؤية.

في نقاشات حديثة مع مصادر وخبراء، ظهرتساؤل آخر: هل يسعى السيسي إلى إثارة مواجهات كبرى مع من يعتقد أنهم أعداؤه؟

في البداية بدت الفكرة وهمية، مع خسارته المستمرة للشعبية التي كان يحظى بها؛ ولكن بالتركيز على تحركاته وتضييق الخناق على السياسة والقضاء والصحافة والمجتمع المدني بشكل لم يسبق له مثيل، تبدو الفكرة أكثر منطقية.

بصرف النظر عن دوافعه، ولكن هجمة السيسي الأخيرة على منظمات المجتمع المدني والصحافة تقول إنه يريد التأكيد على امتلاكه شخصية قاسية.

لكن، يجب أن يعلم السيسي أن هذه السياسات سوف تضغط على الجميع؛ ومن بينهم نظامه. 

المصدر