ذا إنترسبت: هجمات إيران امتداد طبيعي لحربها الباردة في المنطقة

في الساعات الأولى من يوم 7 يونيو، قادت مجموعة من ستة أشخاص (خمسة رجال وامرأة) هجمات مُنسّقة ضد موقعين في طهران، ضربت البرلمان الإيراني وضريح آية الله الخميني.

ووصف شهود في البرلمان تسلّح المهاجمين ببنادق هجومية، مرتدين سترات انتحارية، وكانوا يستهدفون المارة عشوائيًا. 

صباح يوم الأربعاء، وبحلول الوقت الذي تمكنت فيه قوات الأمن من إيقاف المهاجمين، قُتل ما لا يقل عن 12 مدنيًا وأصيب 42 آخرين بجراح. وادّعى تنظيم الدولة مسؤوليته عن هذه الفظائع على الفور تقريبًا، في بيانٍ له على الإنترنت يتضمن أيضًا لقطات فيديو مأخوذة من مسرح الهجمات.

نجت إيران إلى حدٍ كبير من الحوادث الفتاكة مثل تلك التي ضربت طهران يوم الأربعاء. وفي بيانٍ ردًا على الحادث، اقترح فيلق الحرس الثوري الإيراني أنّ مرتزقة يعملون بالنيابة عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة مسؤولون عن الحادث؛ وتعهّدوا بالانتقام.

وباستهداف المدنيين في مدينة تعتبر آمنة من الإرهاب، كان الهجوم الأول الذي قاده تنظيم الدولة الإسلامية في إيران يهدف إلى زيادة التوترات في منطقة الخليج العربي.

التوقيت وآلية الرد

وقال  أفشون أوستوفار، أستاذ مساعد لشؤون الأمن القومي في الكلية البحرية العليا: إذا حدث هذا الهجوم في أي وقتٍ آخر فربما تعاملت إيران معه داخليًا، ولم يكن ردها ليختلف عن استجابة الدول الأخرى لهجمات تنظيم الدولة؛ لكن بعد هذا النوع من الضغط المتصاعد من منافسيهم في جميع أنحاء الخليج كان التوقيت مناسبًا جدًا إلى نوعٍ ما من رد الفعل الإيراني. وهناك على الأرجح أشخاص داخل الحرس الثوري الإيراني يعتقدون أنّ السعوديين كانوا وراء هذا بطريقة أو بأخرى.

وفي حين أنه من غير الواضح نوع الانتقام الذي قد يستخدمه الحرس الثوري الإيراني، لكنه لن ينطوي بالضرورة على مهاجمة السعودية من الداخل. وعلى مدى الأعوام الماضية، تقود إيران والسعودية حربًا وحشية بالوكالة عبر الشرق الأوسط، مع نشوب صراعاتٍ نشطة في سوريا والعراق واليمن. ويمكن لإيران أن تصعّد بسهولة في أيٍّ من مناطق النزاع هذه، باستهداف حلفاء أو موظفين سعوديين.

وفي الأسابيع الأخيرة في سوريا، استهدفت القوات الأميركية مجموعات المليشيات المدعومة من إيران بضرباتٍ جوية في ثلاث مناسبات منفصلة؛ ​وأسفرت عن مقتل مقاتلين. وفي حين أنّ هذه الجماعات لم ترد بعد باستهداف القوات الأميركية، فإنّه ليس من المعقول أن يستمر ذلك في المستقبل القريب، في سوريا أو في أي بلدٍ آخر، إذا استمرت التوترات في الارتفاع.

وقال أوستوفار: هذه المرة الأولى التي تصبح فيها القوات الأميركية والجماعات المدعومة من إيران في مواجهة مباشرة في الصراع في سوريا. وفي حين يتزايد الصراع في المنطقة، فإننا يمكن أن نرى في نهاية المطاف أشياء مثل الهجمات ضد القوات الأميركية في العراق من المليشيات المدعومة من إيران؛ وهو تطورٌ من شأنه أن يعقّد الحملة ضد تنظيم الدولة بشكل خطير.

ادّعاءات 

قد يكون التهديد المتزايد للإرهاب في إيران عاملًا إضافيًا لتصعيد الصراع في الشرق الأوسط، حتى بعد إخراج تنظيم الدولة من معاقله في العراق وسوريا. وعلى مدى العقد الماضي، كانت إيران معزولة إلى حدٍ كبير عن الهجمات الإرهابية، وتقول ادّعاءات إنّها فترة راحة نابعة من الترتيبات القديمة التي أبرمتها إيران مع قادة القاعدة في الأعوام التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر.

وفي حين أنّ فكرة التنسيق بين جماعات سنية متطرفة وإيران الشيعية قد تبدو أمرًا بعيدًا، فربما يكون هناك مبرر لهذه الادعاءات. وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001، فرّ كبارٌ من أعضاء القاعدة وأسرهم إلى المنفى في إيران؛ حيث أمضوا سنوات يعيشون تحت الإقامة الجبرية التي يُشرف عليها الحرس الثوري الإيراني. وفي هذه الفترة، أفادت التقارير بأنّه تُوصّل إلى اتفاق ضمني بين هذه الجماعات والإيرانيين؛ حيث تمتنع القاعدة عن تنفيذ هجمات داخل إيران مقابل استمرار لجوء قادتها.

المنفيون من "القاعدة"

ويوثق كتاب صدر مؤخرًا عن الصحفيَّين البريطانيين كاثي سكوت كلارك وأدريان ليفي، بعنوان "المنفى"، هذه الفترة الغريبة في التاريخ الحديث؛ حيث أجريا مقابلاتٍ مع أعضاءٍ سابقين في القاعدة كانوا يعيشون في إيران لتعاملهم مع الحرس الثوري الإيراني.

وكما يصف الكتاب، كان استقبال المنفيين في إيران إيجابيًا نسبيًا. وفي الأعوام التي قضاها قادة القاعدة وأسرهم في البلاد، ضَمِنَ قادة الحرس الثوري الإيراني سلامتهم وخصوصيتهم. وعلى الرغم من أنّ علاقتهم كانت مثيرة للجدل في أحايين؛ فإنّ الإيرانيين خرجوا أحيانًا عن المألوف لإبقاء مقاتلي القاعدة سعداء، وتزويدهم بوسائل الراحة المختلفة، وحتى أخذهم وأسرهم لزيارة المواقع السياحية في جميع أنحاء البلاد.

وربما لم تكن إيران الدولة الوحيدة التي سعت إلى اتخاذ ترتيبات مماثلة مع تنظيم القاعدة. وأشارت رسالة وردت من مجمع "أبوت أباد" التابع لأسامة بن لادن إلى أنّ المخابرات البريطانية توصلت أيضًا إلى وسطاء مع القاعدة للمساعدة في التوسط في اتفاق يغادر فيه البريطانيون أفغانستان إذا تعهدت القاعدة ألا تستهدف مصالحهم. ولا تُظهر المراسلات المتاحة نتيجة هذه المناقشات أو حتى ما إذا كان تنظيم القاعدة قبل العرض من حيث المبدأ.

وعلى مر الأعوام، أُفرج عن المنفيين في إيران بشكلٍ دوريٍ أو أعيدوا إلى الوطن، وبعضهم انتهى به المطاف إلى الاحتجاز في الولايات المتحدة. وفي عام 2015، أطلقت إيران سراح عددٍ من كبار أعضاء القيادة العسكرية لتنظيم القاعدة (الذين سافروا بعد ذلك إلى سوريا) في مقابل الإفراج عن دبلوماسي إيراني أسير في اليمن.

السيناريو الأسوأ

وقال أوستوفار: كان نفي أعضاء القاعدة إلى إيران بعد 11 سبتمبر محيرًا حقًا؛ لأن إيران كانت متعارضة مع القاعدة سياسيًا وأيديولوجيًا، وكانوا يخوضون مخاطرة كبرى بالسماح لهم بالعمل في البلاد. وأضاف: على الرغم من أنّهم حصلوا على معلومات استخباراتية منهم وعلى اتفاقٍ بألا يقودوا هجمات داخل إيران؛ ففي النهاية لم يُثبت المنفيون أنّهم كانوا بهذه الفائدة، وربما كانوا أقل مسؤولية بتعهداتهم.

وقال بول بيلار، زميل بارز غير مقيم في مركز الدراسات الأمنية بجامعة جورج تاون: أعتبره السيناريو الأسوأ؛ لكنّني لن أستبعد نوعًا من الهجوم المماثل ضد السعودية من إيران ردًا على ما حدث في طهران.

وعقب زيارة  ترامب إلى المملكة، أصبح هناك تصور واسع الانتشار بأن الحكومة الأميركية قد أعطت الضوء الأخضر إلى حلفائها العرب الخليجيين لمواصلة أعمالهم العدوانية في الشرق الأوسط. وفي الأسابيع الأخيرة، صعّدت الحكومة البحرينية حملتها على المعارضة المحلية، في حين قادت الإمارات الحملة لعزل قطر بسبب دعمها للحركات الإسلامية الإقليمية.

لكن، قد تكون الأعمال القتالية المتزايدة بين السعودية وإيران أخطر هذه الحالات. ويمكن لأي مواجهة بين القوتين ترتفع إلى مستوى النزاع المسلح المحدود أن تهدد شحنات النفط والبنية التحتية الحيوية في الخليج العربي، مع ما يترتب على ذلك من آثارٍ على الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي حين سعت الولايات المتحدة تاريخيًا إلى السيطرة على التنافس السعودي الإيراني لهذا السبب؛ ففي ظل رئاسة ترامب يبدو أنّ الولايات المتحدة تعمل على إضافة الوقود إلى النار، بدعم الجهود السعودية لمواجهة إيران بأيّ ثمن.

وأضاف بيلار أن الولايات المتحدة مهتمة بالاستقرار في منطقة الخليج ولديها مصلحة في تعزيز العلاقات السلمية بين السعوديين والإيرانيين. لكن، بدلًا من القيام بذلك، فإنّها تشعل التوترات، التي كانت الموضوع الرئيس في رحلة ترامب إلى المملكة؛ ومن المحزن جدًا أن نرى مدى إعطاء إدارة ترامب الضوء الأخضر لأسوأ التوجهات السعودية.

المصدر