ماذا خسر العرب بحصار قطر؟

إمارة صغيرة، لا يتجاوز عدد مواطنيها عدد سكان أحد أحياء القاهرة، لكن تأثيرها البالغ في السياسة الإقليمية والدولية جعلها تستدعي من خصومها الإعداد لسنوات لحصارها بقيادة عاصمتين خليجيتين رئيسيتين، مصطحبتين معهما عاصمة العرب الكبرى وهي القاهرة.

إن زيادة تأثير أي دولة عربية في السياسة الدولية كانت تقتضي أن تكون مدعاة لفخر أي عربي؛ كما أن الاختلاف بين الدول العربية في السياسات والتوجهات وتقدير المواقف هو أمر طبيعي في ظل عدم وجود نظام عربي تنسيقي ذي كفاءة لتوحيد السياسات، وهو الأمر المستحيل في ظل غلبة الميل للاستبداد لدى الحكومات العربية، فالاستبداد يعتبر اختلاف السياسات عداء واستضافة المعارضين إعلانَ حرب.

بينما الديمقراطية تفترض أن المعارضين لأي حكومة لا يحتاجون استضافة ولا يضطرون لترك بلدهم.

بدأ الحلف الثلاثي حصاره لقطر بمستوى عالٍ من التجييش، وسقف مرتفع من الاشتراطات التي تجعل المشاهد وكأنه أمام مشهد درامي سيرتمي فيه البلد المُحاصَر تحت أقدام المحاصرين طلباً للعفو. 

غير أن اتجاه الأحداث بعد ليلتين كان عكس ما توقعه المحاصرون الذين حاولوا جعل الحصار عملاً عربياً، فضموا لهم بعض دول الهامش العربي المستند للدعم الخليجي، وحاولوا إعطاءه مسحة إقليمية، فدعوا بعض الجزر القاصية للتضامن معهم.

في اليوم الثالث لم يكن المحاصرون إلا نفس الثلاثة، ومعهم بعض الدول قليلة التأثير، بينما نَأَت العواصم المهمة بنفسها عن المشاركة فيما اعتبره البعض جريمة بينما اعتبره آخرون غير لائق.

وما لبثت أن بعثت ردود الفعل الدولية اليأس في نفوس المحاصِرين، حتى ظهر وزير خارجية السعودية في موقف لا يُحسد عليه وهو بحضرة نظيره الألماني، غير قادر على تبرير الحصار، فضلاً عن تسويقه.

المشكلة التي وقع فيها المحاصرون هي إساءة تقدير الموقف، فقد أقاموا استراتيجيتهم على كلمات أطلقها ترامب أشبه بما يُطلقه من تغريدات على السوشيال ميديا، فاعتبروه تفويضاً لهم بحصار أو حتى احتلال شقيقتهم الصغرى، ولم يكن عليهم أن يستندوا على أقوال رئيس فشل في اكتساب ثقة مؤسسات دولته الأكبر على مستوى العالم.

كما أن الفشل كامن في طبيعة التحالف الثلاثي، لكونه قائماً على "حاجة" كل طرف لأمر مغاير لما يسعى إليه الآخران، فالسعودية تسعى لوضع قطر تحت وصايتها، اعتقاداً منها أنها صاحبة البيت الخليجي، بل والعربي، بعد أن أغراها تخلي انقلابيي 3 يوليو/تموز 2013 في مصر عن الدور القيادي للقاهرة.

بينما تسعى الإمارات - دون أن تُخفي ذلك - لوضع السعودية في أكبر قدر من المشكلات، بما يسمح للأولى بأن تحتل مساحة أكبر داخل البيت الخليجي والعربي، والتدخل في رسم شكل الإدارة السعودية بعد أن أغرتها ما قامت به في مصر من دعم لانقلاب تتفاخر بأنها من صنعته، وبأنها تحكم من خلاله البلد الأكبر في المنطقة.

أما سلطة الانقلاب في مصر، فهي تسعى للدعم المالي ولإسكات معارضيها، وبالتالي فإن هدفها لا يخرج عن إجبار قطر على تضييق المساحة الإعلامية التي يظهر من خلالها صوت معارض للانقلاب في مصر؛ خصوصاً أن قطر اضطرت لذلك سابقاً بضغوط أقل حدة بإغلاق الجزيرة مباشر مصر. 

كما تسعى لاستنزاف الطرفين الآخرين مالياً، بسبب ما تعانيه من اختناق تسبب فيه بذخها ونفقاتها الأمنية العالية وضحالة قدراتها في إدارة مالية البلاد واقتصادها.

لم يكن لتحالف الحاجة أن يحقق نجاحاً إلا في خيال أطرافه؛ لأن أول شروط النجاح يتمثل في تبني رؤية موحدة وأهداف مشتركة وقراءة صحيحة لمعطيات الواقع.

والواقع يقول إن توازنات القوى ليست في صالح هذا التحالف، بل يميل أكثرها لصالح قطر، وهو أمر يُحسب لها، فبرغم صغر حجمها الجغرافي فقد استطاعت أن تُصبح رقماً مهماً في حسابات القوى الإقليمية والدولية، لأسباب قد يوافق عليها البعض، وقد يعترض عليها آخرون. 

لكن المحصلة هي أن إيران أو تركيا أو الاتحاد الأوروبي أو الصين أو روسيا لا يُمكنها أن تسمح بتحول قطر لولاية سعودية؛ بل إن المدقق في شأن السياسة الأميركية يُدرك أنها لا تقبل إحداث ربكة كبيرة بإحدى أهم المناطق الاستراتيجية في لحظة تنسحب منها الولايات المتحدة لمعالجة قضاياها الداخلية، وأن ترامب لم يعبر عن توجه السياسة الأميركية وإنما عن رغبته بإتمام صفقة النصف تريليون، مقابل أي وعود حتى ولو لم تُنفذ، فمن يُحاسب الولايات المتحدة عن عدم تنفيذ وعودها؟

ربما يُدرك حلف الحاجة اليوم أنه ارتكب حماقة كبرى، وأن الاستمرار مستحيل والتراجع مكلف، وبالتالي فإنه سيُفاوض لأجل ما يحفظ ماء وجهه، خصوصاً السعودية التي تهتم بحفظ ماء وجهها، على خلاف غيرها ممن لم يعد يخجل من ارتكاب الصغائر.

في النهاية ستتم تسوية ما، تخرج فيها قطر أكثر صلابةً بعد أن واجهت هذا الحلف الضخم بصمود يُحسب لها، وتحصل فيه السعودية على بعض المكاسب الرمزية، بينما يبقى إعلام الانقلاب في القاهرة يتغنى بالمعارك الكبرى والانتصارات التاريخية التي حققتها سلطة الانقلاب على سواحل الخليج كما في شرق ليبيا.

لكن المحصلة ثقيلة بالنسبة للمنظومة العربية ككل، فلم يكن إعلان الحصار بصورته التي أعلن بها إلا إعلان وفاة للنظام الخليجي الإقليمي، فلا يُمكن لأحد أن يتخيل أن مجلس التعاون الخليجي - المنظومة الإقليمية العربية الوحيدة المتبقية - يُمكن أن يعود كما كان.

كما إن نفاذ القوى الإقليمية إلى منطقة الخليج أصبح أمراً لا مفر منه، ولا يملك أي طرف رغبة أو قدرة على تقليصه، وهو ما يحوّل المنطقة لمنطقة تدافع إقليمي ولمخاطر هذا التدافع، ما لم يجرِ تنظيم النفوذ بنفس الطريقة التي جرى بها تنسيق النفوذ الدولي سابقاً، وكل ذلك يأتي على حساب إنهاء الدور العربي على الأرض العربية، وزيادة النفوذ الإقليمي والدولي في أحشاء بلادنا.

لقد غامر تحالف الحاجة كما يُغامر كل يوم، وخسر كما يخسر دائماً؛ لكن الخسارة هذه المرة أفدح؛ لأنها بكل بساطة أكدت وضع الدولة العربية الأكبر كدولة تابعة لمن يملك المال، كما كشفت عدم قدرة السعودية على قيادة المنظومة الخليجية فضلاً عن العربية، كما أرست سياسة المغامرات كإطار تعمل فيه حكومات طائشة لا ترى أكثر من رغباتها الآنية في الاستحواذ أو إقصاء معارضها.

وبالتالي فإن الحديث عن أي نظام عربي أصبح أمراً فارغاً من مضمونه، وهو ما سيفتح الباب لبناء أنظمة إقليمية توفر الحماية لأعضائها والتعاون بين الشركاء فيها، بغض النظر عن تناقض ذلك مع أحلام التعاون أو التكامل أو الوحدة العربية.

لا يُمكنني الحكم الآن بأن ذلك أفضل أو أسوأ، فالزمن سيكشف عن نتائج ذلك، وعن مدى قدرة الأمل الوحيد الباقي - وهو شباب الربيع العربي - في استعادة روح المبادأة وبناء صف قادر على إعادة ترتيب البيت العربي من جديد بعد التخلص من أمراضه وأخطرها الاستبداد والاستئثار بالقرار ممن لا يملك مؤهلات إدارة مدرسة فضلاً عن دولة.

لكن اليقيني أن هذا الحلف كان أكثر مولود جاء مشوهاً في أشد الفترات حلكة في تاريخنا، فكان وبالاً على أطرافه وعلى البيت الخليجي وعلى العالم العربي.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه