كم شنطة فلوس تكفي لبيع مصر كلها؟

مصر باعت، والسعودية دفعت، والبضاعة ذهبت إلى إسرائيل، بالتراضي الكامل بين البائع عبد الفتاح السيسي والمشتري محمد بن سلمان.

تلك هي خلاصة صفقة جزيرتي تيران وصنافير.. أرادت إسرائيل الجزيرتين، خارج السيادة المصرية، ورغب السيسي في إتمام الصفقة، لقاء بقائه في السلطة، متمتعاً بالرعاية المزدوجة، سياسياً واقتصادياً، من تل أبيب والرياض، ورغب فيها محمد بن سلمان، عربوناً لوصوله إلى العرش، والنتيجة أن من لا يملك باع لمن لا يستحق، لكي يهدي إلى من لا يرحم ولا يتنازل عن تحقيق أطماعه التاريخية، كاملةً غير منقوصة، في لحظة الانسحاق العربي الشامل، تحت عجلات صفقة القرن.

قبل أن يضع البرلمان بصمته على فضيحة بيع الأرض، كان السيسي يعلن عن قانونه الخاص لتسليم الأراضي "اللي عايز يقنن وضع يده على الأرض يجيب شنطة الفلوس ويجي".

مبكراً جداً، قلنا إن الدفاع عن الأرض يتطلب أن تزرعها مقاومة، وترويها بالغضب من أجل الكرامة الوطنية، وحذّرنا من تحويل موضوع الدفاع عن التراب إلى ملف دعوى أمام القضاء، في ظل سلطة لا تعرف احتراماً لقضاء، ولا لقدر، وتعرف جيداً كيف تسوّق الخيانة، بوصفها عملاً وطنياً، وتروج القوادة، باعتبارها أعلى مستويات القيادة الحكيمة.

نعم، كان الاحتكام إلى القضاء في مسألة جزيرتي تيران وصنافير تبريداً لحالة غليان شعبي، تمثلت في فورة سخط وثورة غضب، استطاعت أن تصل إلى الشارع، وتستعيده إلى معادلة التصدي لممارسات سلطة، لا تخفي عورتها، ولا تخجل من المفاخرة ببيع القرار الوطني لمن يدفع، بل تبيع الوطن ذاته، وترهنه في بورصة أهداف الحالمين بالريادة والسيادة على المنطقة والعالم.

منذ البداية، بحّت أقلامنا تقول إن قضية جزيرتي تيران وصنافير هي قضية المواطن في الفضاء العام الفسيح، ومن ثم كان الخطأ القاتل استدراجها إلى مقابر الأحزاب المهجورة، لتتحول من قضية شارعٍ يغلي إلى مسرحية أحزابٍ مجمدة، ومعبأة في أكياس النظام. 

كانت قضية شابة، مجالها الحيوي نضال في الشارع، على رأسه سياسي شاب، هو خالد علي، لكن عجائز السياسة هبطوا عليها، وسحبوها إلى مقار الأحزاب، المعتمة، ثم سلموها للنظام، وأعلنوا وفاة الحضور الجماهيري الذي اندلع في محيط نقابة الصحافيين، إبريل/ نيسان 2016.

يدهشك أنه، مع إحالة الأمر، إلى ما يسمى "البرلمان". كان هناك من يتوقع مفاجأة من النواب، ترفض التفريط في الأرض، وهذه كميةٌ إضافية من خداع الذات والجماهير، معاً، فالمعلوم من مصر بالضرورة أن هذا البرلمان صنعه عبد الفتاح السيسي على عينيه، وعيني ولده، ويعرف القاصي والداني أن مقاعد العضوية جرى توزيعها بحساباتٍ شديدة الدقة، لا مجال فيها للمصادفات أو المفاجآت (يمكنك أن تراجع حالة الباحث السياسي عمرو الشوبكي الذي يقف على أبواب البرلمان منذ شهور، وفي يده حكم بات من محكمة النقض بأحقيته بالعضوية، من دون أن يسمحوا له بالدخول، حتى تورّمت قدماه، وبليت ملابسه من الوقوف على أبوابهم).

وعلى ذلك، كان الرهان على"ضمير النواب" من أشكال التدليس، والاستعباط، يقترب من تلك الحالة التي كان بعضهم فيها يتصور في انتخابات 2014 أن حمدين صباحي يمكن أن يهزم السيسي ويصير رئيساً، وهي الحالة التي توشك أن تتكرّر، مع هرولة بعضهم للفوز بلقب "حمدين 2018".

وبالتالي، أي محاولة لادعاء الصدمة، أو إبداء مظاهر الاستغراب مما جرى في برلمان السيسي، ضرب من ضروب النصب على الجماهير.

أنت تعلم أن هذا نظام رخيص وبيّاع وخدّاع، وبرلمانه شرحه، ولديك بدلاً من اليقين عشرة، بأنه نتاج مؤامرةٍ دوليةٍ وإقليمية شريرة، تفصح عن نفسها تماماً الآن، في صورة ما تعرف بصفقة القرن، وبالتالي ذهابك إليه لتلعب معه دور المعارضة، يجعلك جزءًا منه، ويمنحك صفة "معارضة نظامية"، مهما ادعيت من تناقضات بينكما.

وأكرّر هنا أن المعارضة النظامية تتحول إلى مجموعة من البهاليل والعصافير، حين تحصر الخلاف مع السيسي في "تيران" و"صنافير"، وتتعامى عن الحقيقة الساطعة، وهي أن مشكلة الجزيرتين ليست سوى واحدة من تجليات الداء العضال الذي تسبب به فيروسٌ مدمر، حوّل مصر الرسمية إلى دولةٍ مسعورة، تلتهم الخرائط وتفترس الجماهير وتنهش ثورتها، في حفلات شواء منصوبة، انتقاماً من كل الذين حلموا يوماً بوطنٍ حر لمواطنين يعاملون كالبشر، لا كالذبائح.

واجهوا أنفسكم مرة واحدة، واعتذروا لثورتكم التي قمتم بتسليمها للسيسي وأوغاد زمن حسني مبارك، كما سلم السيسي جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ومنها لإسرائيل.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه