الأزمة الخليجية و"الحسنات الثقافية"

 
أزمة حصار دول عربية أبرزها السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر منذ فجر الاثنين 5 من يونيو الموافق 10 من رمضان الجاريان كشفت عن وجه آخر من الخلافات العربية يضيء في الحقيقة وسط ظلمة الأزمة، ويُبشر بخير مقبل، بخاصة إذا ما استمرت قطر على موقفها الثابت من الحصار ومقاطعة دول عربية وأخرى تابعة، وكم من ازمة كان من حسناتها الكشف عن متغيرات لم تكن تخطر حتى على بال المُتسببين فيها؟
 
في حرب الخليج الثانية التي بدأ اقتحام الراحل "صدام حسين" الكويت في 2 من أغسطس/أب 1990م، وهي الأزمة الخليجية العربية الأعنف، كانت مفاصل الحوار حولها عسكرية واضحة تقتضي خروج القوات العراقية .. حتى تم إجلاؤها في الفترة من 17 من يناير/كانون الثاني حتى 28 من فبراير/شباط 1991م، وأحسب أن هذه الحرب وما تلاها من غزو أمريكي للعراق في مارس/أذار 2003م كان الأزمة الخليجية الأسوأ في تاريخ المنطقة قبل الأزمة الأخيرة.
 
لكن الشعوب العربية وبخاصة الخليجية منذ 1990م ومرورًا بـ 2003م وصولًا إلى اليوم مرت بمتغيرات في منظومة الوعي والثقافة لم يعد ينكرها منكر، على نسبيتها وعدم تمامها، حتى إن من تمام حسناتها أن الأزمة الخليجية الأخيرة لما بدأت كان للقوى الثقافية الرائدة، مهما اختلف البعض معها أو كانت لنا أو له ملاحظات عليها، كان ومايزال للقوى الثقافية الرائدة التي بدأتها قطر منذ افتتاح قناة "الجزيرة" الإخبارية في 1 من نوفمبر/تشرين الثاني 1996م، وما تبعها من قنوات تتبعها بالإضافة إلى مواقعها الإلكترونية، وما تلاها من مواقع إلكترونية من مثل: "عربي 21"، "الخليج الجديد" .. كان لهذه الشاشات والمواقع أثر في الأزمة وأي أثر حتى إننا للمرة الأولى نسمع بشروط لإنهاء خلاف عربي، تراجع في إنهائه الحل والخيار العسكري، بحمد الله، لتنكشف سحب الغبار عن مطالبات متناقضة في قمتها إغلاق قناة "الجزيرة" و"الحوار"، ووقف مواقع من مثل "العربي الجديد" و"عربي 21"، وسحب شيء من التمويل عن موقع أمريكي في نسخته العربية وهلم جرًا.
 
والمُتطلع إلى حسنات الأزمة يعرف، تمامًا، من خلال رد الفعل الهائل عبر تصريحات مسئولين من نافذين سواء إماراتيين أو سعوديين بوجوب وقف هذه القنوات والمواقع كشرط رئيسي جوهري لإةنهاء الأزمة، وهو شرط سواء بسواء مع طرد مسئولين من حركة المقاومة "حماس" مع الكف عن دعم الأخيرة، وهو الدعم الذي يتم بعلم أمريكي تام، حتى أن مؤسسات أمريكية كبرى منها الخارجية اعترضت على تغريدات للرئيس "دونالد ترامب" الداعمة للحصار واستمرار الأزمة، وهي الأزمة التي تفجرت عبر أول زيارة خارجية له إلى السعودية ولقاء القادة الخليجيين برفقة وفود دول إسلامية..
 
إننا إزاء أزمة فجرها المال السعودي المنهمر على "ترامب"، وإيعاز الأخير إلى دول خليجية وعربية بالتخلص من المقاومة القطرية لخط الاستسلام العربي الخليجي، وإن لم تكن قطر بالطبع تغرد خارج السياق تغريدًا كاملًا ، لكن جهودها الإعلامية التوعوية الثقافية التي زادت مع ثورات الربيع العربي أثمرت رغم تأخر فرج الشعوب الثائرة تأخرًا جعل محللين ومراقبين يشكون في إمكانية نجاح تلك الثورات، إلا أن مخاوف لطغاة من أصوات معبرة عن آلام وآمال، ومحن وتطلعات مصر، كما سوريا، كما اليمن، كما تونس، بالإضافة إلى البحرين، ودول أخرى منها وعلى رأسها دول خليجية، ولا يخفى على أحد معاناة الشرفاء المخلصين من رجال الأمة في الإمارات من السجن والتنكيل كما في السعودية كما في البحرين، قيادات هذه الدول لا تريد الخير لدول أخرى، فضلًا عن أن تصل نسائم الحرية إلى دولها، وإلا فلنسل عن المال السعودي والإماراتي المنهمر على مصر وتونس وليبيا واليمن كي لا تتم لها بارقة حلم في نجاح ثورة ..
 
تلاقى العدو الحقيقي الحاقد الناقم المتعاون مع إسرائيل تمام التعاون مع أنظمة عربية تكفر بحق شعوبها في الحياة ولا تريد إلا أن تجسم على أنفاسها، وكان الخيار القطري بالتخفيف عن شعوب عربية شقيقة تعاني يؤلم هذه الأزمة وتستشعر في قرارة نفسها أنه يفضحها، وأن بقعة ضوء في نهاية النفق كافية بإضائته ولو بعد حين، ومن هنا جاءت الشروط بطرد مفكرين بارزين ومنع التمويل عن مواقع وشاشات تجاهد وتكابد لتحاول أن تنطق بالحق في ظل ظروف بالغة الصعوبة والمرارة ومنها وعلى قمتها المطاردة والمنع والحجب في أحيان كثيرة حتى قبل تفجر الأزمة.
 
إن تمام كشف وجوه الطغاة، وإن منظومة توعوية تثقيفية تؤتي أكلها وثمرها وتقض من مضاجع الطغاة قدرًا غير قليل يجعلها تجأر بالشكوى وتلجأ إلى العدو من أجل وقفها بل تستنصر به لأمر بالغ الأهمية يجب النظر إليه على أنه واحد من أكبر حسنات الأزمة، فضلًا عن عدم التفريط فيه!




هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه