تبعات الدبلوماسية التركية في الأزمة الخليجية.. هل من نارٍ تحت الرماد؟

تتوالى تداعيات الأزمة الخليجية على تركيا، فبينما وجّهت دبلوماسيتها إلى احتواء الخلاف تحرّكت جهود دول الحصار لتطويق النشاط التركي وتحييد أنقرة عن مساندة دولة قطر، التي تمثّل أهم حلفائها في المنطقة العربية.

لكن، أبرز هذه التداعيات ما أكّده المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، ماهر أونال، بشأن تعرّض تركيا إلى ضغوط بسبب دعمها قطر وإرسالها قوات عسكرية ومنتجات غذائية لها.

ويُرجّح خبراء ومحللون أتراك وقوف السعودية والإمارات والبحرين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، وراء هذه الضغوط؛ مؤكدين أن لكل طرف حساباته في ممارسة الضغط على أنقرة لإبعادها عن القطريين.

ضغوط على أنقرة

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة مرمرة «جنكيز تومار» أن دول الخليج الثلاث يمكن أن تمارس الضغوط على تركيا في الجانب الاقتصادي؛ نظرًا لتمتّعها بعلاقات اقتصادية واسعة معها، عبر الاستثمارات في قطاعات العقارات والسياحة والصفقات التجارية الكبرى.

ويستدلّ على ذلك بحجم التبادل التجاري مع دول الخليج الثلاث، الذي بلغ في عام 2016 أكثر من 17 مليار دولار؛ منها تسعة مليارات مع دولة الإمارات وثمانية مليارات مع السعودية و330 مليون دولار مع البحرين مقابل مليار واحد وثلاثمائة مليون دولار مع قطر.

ويستبعد جنكيز أن يدفع ذلك أنقرة إلى الخلف في دعمها لقطر، معتبرًا أن التحرك المبكر لبلاده «أوقف الأزمة عند الحدود التي وصلت إليها ومنع تدهورها إلى أسوأ من ذلك».

انعكاسات موقف أنقرة

وقال جنكيز في تصريحات صحفية إن «موقف تركيا من الأزمة دفع كل الدول ذات العلاقة إلى التحاور والحديث والشروع في مباحثات للبحث عن مخارج للأزمة بدلًا من الاستمرار في التسخين ودفع الأمور إلى التصعيد».

وذكر أن الأزمة الخليجية لم تؤدِّ إلى أيّ تغييرات في المحاور الدولية الثلاثة المؤثرة في المنطقة؛ وهي محور الولايات المتحدة وحلفائها، ومن بينها دول الخليج الثلاث التي تفرض الحصار على قطر، والمحور الروسي الإيراني، والمحور التركي القطري، مؤكدًا أن «تركيا لن تتخلى عن حليفها في محور دعم الديمقراطية بالمنطقة وستعمل على تعزيزه».

وصادق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرًا على قانون أقرّه البرلمان التركي يقضي بتعجيل نشر قوات تركية في قطر، كما أرسلت رئاسة الأركان التركية وفدًا عسكريًا إلى الدوحة لترتيب إجراءات وصول هذه القوات. 

شُبهة الموقف الأميركي

من جهته، ربط المحلل السياسي التركي «أوكتاي يلماز» تفجّر الأزمة الخليجية بزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعاصمة السعودية الرياض؛ معتبرًا أن ذلك يبعث إشارات بشأن إمكانية وقوف واشنطن خلف هذه الضغوط بانتظار أن تفصح تركيا رسميًا عن الجهات التي تمارسها.

ووصف «أوكتاي» الموقف الأميركي من الأزمة بـ«الضبابي والمنقسم على نفسه»، وقال في تصريحات صحفية إن «ترامب يطلق تصريحات سرعان ما تعود عنها أطراف أخرى في إدارته؛ خاصة في إدارات الجيش والسياسة الخارجية وأعضاء الكونجرس المؤثرين».

التراجع التركي

وقال «أوكتاي» إن الضغوط على بلاده لم تظْهَر بوضوح بعد إلى العلن، لافتًا إلى أن الدول التي لم يعجبها الموقف التركي من الأزمة بدأت تغازل المليشيات الكردية وتطلق عليها أوصاف «الثوار» و«مقاتلي الحرية».

ونبّه إلى أن كل الدلائل والمؤشرات تدلّ على أن أنقرة لن تتراجع عن دعمها لحليفها القطري؛ لكنه دعاها في المقابل إلى الحفاظ على ما سماه «الحياد الإيجابي» الذي يمكّنها من متابعة دورها بصفتها وسيطًا مقبولًا ومؤثرًا لدى الجميع.

واعتبر «أوكتاي» أن تركيا أكثر الدول قدرة على إنجاح جهود الوساطة «بشرط ألا تسوء علاقاتها مع أيّ من أطراف الأزمة»؛ الأمر الذي يتطلب منها الحفاظ على الحياد دون التخلي عن واجباتها في التقريب بين مختلف الأطراف؛ لما في ذلك من مصلحة للبيت الخليجي والعربي والإسلامي».