تحقّق أحلام «إسرائيل» على يد السيسي.. دلالات وشواهد

لم يأتِ على مصر يومٌ ليكون رئيسها نجمًا لامعًا في أروقة الصحافة الإسرائيلية مثل ذلك الذي تولّى فيه عبدالفتاح السيسي الحكم إثر انقلاب عسكري في يوليو 2013.

فنقلت صحيفة «هآرتس» عن وزير الإسكان الإسرائيلي يوآف غالنت أن «إسرائيل» محظوظة لأن السيسي تمكّن من السيطرة على مقاليد الحكم في مصر واستعادتِه من أيدي الإخوان المسلمين، مشبهًا إياه بالرئيس السابق حسني مبارك «بعد عملية تجميل».

وأضافت يومها أن مصلحة «إسرائيل» في مواصلة دعم النظام الحالي في مصر؛ لأن السيسي رغم استيلائه على الحكم بطريقة غير ديمقراطية فهو أكثر ليبرالية من الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي انتخب بطريقة ديمقراطية؛ زاعمة أن «السيسي الرجل الصحيح في الموقع الصحيح».

قصة نجاح

وفي حينها، قال السفير الإسرائيلي السابق في مصر يتسحاق ليفانون، بصحيفة «إسرائيل اليوم»، إن السيسي يعتبر «السلام» معنا قصة نجاح، ويرى أن حسن علاقاته معنا يضعه في مكان جيد أكثر من الآخرين؛ ما يتطلب من «إسرائيل» مدّ ذراعيها ترحيبًا بخطواته.

فهل ما تشهده الساحة السياسية اليوم في الشرق الأوسط ترجمة عملية لهذه الحفاوة والاعتزاز من «إسرائيل» بوصول عبدالفتاح السيسي إلى الحكم؟

وإن كان مناصرو السيسي يحاولون تبرئته من مناصرة«إسرائيل» ووسمه بالوطنية والعمل على مصلحة بلاده؛ فهل من قبيل المصادفة أن تتحقق أحلام «إسرائيل»، التي سعت إليها عقودًا -بالحرب تارة وبالسلم تارة أخرى- عبر اتفاقيات وصفقات دائمًا ما يكون السيسي طرفًا رئيسًا فيها؟

أجندة الكيان الصهيوني

في هذا السياق، يقول رئيس حزب «غد الثورة» الدكتور أيمن نور: كثيرًا ما اختلفنا مع رؤساء مصر السابقين على مستوى الأداء السياسي والحريات وتداول السلطة؛ إلا أننا كنا نلمح فيهم استحياء أن يظهروا بشكل علني على أنهم يحققون مصالح «إسرائيل» في المنطقة، بل إن مبارك الذي قمنا ضد نظامه بثورة عارمة كثيرًا ما رفض أن يظهر في هذا الموقف؛ فوجدناه يرفض أن يقايض على الأراضي المصرية وأصرَّ على إتمام عودة طابا إلى الأراضي المصرية في عهده.

ويتابع في تصريحات تلفزيونية: السيسي ليست لديه مشكلة أن يوضع في هذا الموقف؛ فالرجل صرح من قبل أنه لن يسمح أن تكون سيناء مصدر قلق لجيران مصر، ملمحًا إلى إسرائيل. وفي قضية تيران وصنافير، رغم علمه بمدى استفادة «إسرائيل» من التنازل عنهما للسعودية، لم يسع حتى إلى تبرير موقفه إلا بالقول إن هذا حق وإنه مكلف برد الحق إلى أهله؛ في مخالفة واضحة لحكم أعلى محكمة في مصر (الإدارية العليا)؛ وهو الأمر الذي جعل مصريين كثيرين مؤمنين بأنه يسعى إلى تحقيق أجندة تصب في مصلحة الكيان الصهيوني.

دلالات في اتفاقية تيران وصنافير

وفي السياق ذاته، يرى الكاتب الصحفي أيمن الصياد أن اهتمام «إسرائيل» على مدار التاريخ بمضيق تيران كان كفيلًا بأن يدفع النظام المصري إلى التراجع عن التنازل عن الجزيرتين لها، مستشهدًا -في مقال له تحت عنوان «ودائمًا كانت إسرائيل هناك»- بموقف عسكريٍّ إسرائيليٍّ لجأ إلى مجلس الأمن عام 1954 شاكيًا تضرّر «إسرائيل» من سيطرة مصر على مضيق تيران.

وأضاف أيمن: لم يكن موشي ديان يومها، كما لم يكن رفيق سلاحه «أبا إيبان» الذي لجأ إلى مجلس الأمن (1954)، متضررًا من سيطرة المصريين على مضيق تيران، المدخل الوحيد إلى خليج العقبة (أو خليج إيلات كما أسماه يومها)، يعلم أن المصريين أنفسهم سيتخلون يومًا ما ودون رصاصة واحدة عن تلك السيادة الاستراتيجية الموجعة لـ«إسرائيل»؛ ولكن ها هو اليوم قد جاء في يونيو 2017، بعد 50 عامًا بالضبط من يونيو 1967، وما أدراك ما يونيو 1967.

وتساءل: هل نحن نبالغ حين نقرأ جيدًا تغريدات نتنياهو، الذي لم يستطع أن يخفي فيها غبطته بعهد جديد من التعاون يعتبره انتصارًا إسرائيليًا في الذكرى الخمسين ليونيو 1967؟

سياسات مريبة

ويقول الدكتور عمرو عبدالرحمن، بالجامعة الأسترالية بالكويت، إن الإجراءات التي اتخذها عبدالفتاح السيسي منذ توليه الحكم وتصب في مصلحة «إسرائيل» عديدة؛ الأمر الذي أثار الريبة عنه وسياساته وأهدافه من حكم مصر.

ويتابع في تصريحات خاصة لـ«رصد»: في بداية تولّي السيسي الحكم اتّهمه كثيرون ممن كنا نعتبرهم عاطفيين بأنه يعمل لصالح «إسرائيل» وجاء لتنفيذ مخطط يخدم الصهيونية العالمية، وكنا وقتها نعارض السيسي ونرى في هذا الكلام كثيرًا من المبالغة؛ إلا أن تصرفات السيسي ذاتها جعلتنا اليوم نتأمل في مثل هذه التصريحات على نحو مختلف.

ويضيف: منذ أن قرّر السيسي تفريغ الخط الحدودي مع رفح من سكّانه وتهجيرهم، وما يقدّمه لـ«إسرائيل» من خدمة جليلة بهذا الإجراء، ثم عقْد لقائه السري بنتنياهو في الأردن ولم يعرف عنه المصريون شيئًا إلا عبر الصحف الإسرائيلية، وإصراره على تركيز المعركة على ما يسمى «الإرهاب» وتجاهل «إسرائيل» كعدو مركزي للأمة العربية، والإصرار على مناقشة اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية في البرلمان رغم حكم المحكمة ببطلانها؛ فكل خطوة من هذه الخطوات تصبّ في مصلحة «إسرائيل»، وجعلت السيسي رئيسًا مشكوكًا في وطنيته، وسياساته محل ارتياب بين سياسيين ومراقبين؛ بل وعوام الشعب.

ويقول عمرو عبدالرحمن في تصريحاته إن ثمة ربطًا واجبًا بين زيارة ترامب إلى الرياض ولقائه ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مارس الماضي وقرارات المملكة العربية السعودية بإعادة ضخّ منتجات أرامكو إلى مصر بعد توقف سابق؛ كل هذا لم يكن من قبيل المصادفة، وأظن أن الأحداث المقبلة ستثبت العلاقة بين كل هذه الخطوات وقضية تيران وصنافير.