شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

لماذا تأخر الرد الأميركي في «دوما» عن مثيله في «خان شيخون»؟

اختناقات في دوما

يواجه المجتمع الدولي مذبحة دوما، وقصف المدنيين بالأسلحة الكيميائية، بالتنديد والشجب، فيما لا يزال عاجزا عن أي رد فعل عملي يوقف مذابح النظام في سوريا، وسط استبعاد خبراء أي حل من جانب مجلس الأمن، والذي تقوض قراراته دول «الفيتو» وبينها روسيا الداعم والحليف الرئيسي لبشار الأسد.

وفي وقت سابق، صرحت وزارة الدفاع (البنتاجون) بأنها قدمت سلسلة خيارات للرئيس دونالد ترامب للرد على الهجوم الكيماوي الذي نفذه النظام السوري، السبت الماضي، على «دوما» بالغوطة الشرقية المحاصرة، وقُتل خلاله نحو 70 شخصا على الأقل إثر ما يشتبه في أنه هجوم كيماوي التي تُعتبر آخر معاقل المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية.

وأوضح العقيد باتريك ريدر، وهو أحد متحدثي «البنتاجون»، أن رئيس الأركان العامة، الجنرال جوزيف دونفورد، قدم خيارات عدة لترامب بشأن الرد على هجوم دوما، في إشارة إلى أن الخيار العسكري مطروح على الطاولة.

أميركا تهدد

هددت الولايات المتحدة الأميركية، برد قاس إزاء الهجمة المتوحشة على دوما بغازات يشتبه في كونها كيماوية، وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الأحد، إنه سيتم «دفع ثمن باهظ» جراء شن هجوم كيماوي على مدينة دوما، مؤكدة بعد 3 أيام أن الرد  على هذا الهجوم خلال 24 إلى 48 ساعة.

وكتب ترامب، في تغريدة على تويتر: «كثيرون ماتوا من بينهم نساء وأطفال في هجوم كيماوي طائش في سوريا. المنطقة التي شهدت تلك الفظاعة محاصرة ويطوقها الجيش السوري بما يجعل الوصول إليها من العالم الخارجي غير ممكن بالكامل».

وأضاف ترامب، في تغريدته على تويتر: «الرئيس بوتين.. روسيا وإيران.. مسؤولون عن دعم الأسد الحيوان. ثمن باهظ سيُدفع».

تهديدات ترامب، تعيد لنا مشهد ضرب مطار الشعيرات، في أعقاب قصف خان شيخون العام الماضي، بمادة السارين الكيميائية السامة، ما أدى إلى وقوع 100 قتيل جلهم من الأطفال، ونحو 400 مصاب، وردا عليها قصفت مدمرات تابعة للبحرية الأميركية في شرق البحر المتوسط في الساعات الأولى من يوم 7 أبريل 2017، مطار الشعيرات العسكري، بـ59 صاروخًا موجهًا.

وخلال اليومين الماضيين، تتردد أنباء حول رد عسكري محتمل على ما يشتبه بأنه هجوم بغاز سام فى سوريا، بحسب ما صرح مسؤولون أميركيون لرويترز، فيما أدرج خبراء عديدون منشآت رئيسية كأهداف محتملة.

أطفال في دوما

لماذا تأخر الرد الأميركي

وحول تأخر الرد العسكري، بين مذبحة خان شيخون، ومذبحة دوما، قال الخبير العسكري والأمني عميد ركن خليل الطائي، إن «هناك الكثير من المتغيرات العسكرية والسياسية بين الظروف الميدانية في الرد الصاروخي الأميركي الذي جاء بعد 3 أيام من مذبحة (خان شيخون) في 4 أبريل 2017، وتاخر الرد على مذبحة (دوما) في 7 أبريل 2018».

وأوضح الطائي، في تصريح لـ«رصد»، أنه «بعد مذبحة خان شيخون حدثت متغيرات ميدانية كبيرة جعلت التنافس العسكري يتنامى وتتصاعد حدة المواجهة بين الأطراف الرئيسية المتحكمة بالملف السوري، وبدأت الخلافات وسيناريوهات الصراع والتنافس الدولي والإقليمي الذي طالما تم تأجيلهُ للظهور علنا ويأخذ أشكالًا عديدة، لكنه لا يزال ينفّذ بأدوات محلية في بعض صفحاته».

وأضاف أن «الحرب المؤجلة بين القطبين الأميركي والروسي بدأت صفحاتها بالشروع ولا يمكن إغفالها أو تفاديها»، مشيرا إلى عمليات أميركية وإسرائيلية عدة ضد أهداف نظامية وروسية؛ ففي بداية شهر يناير من العام الحالي شهدت قاعدة حميميم في اللاذقية ذات النفوذ العسكري الروسي هجمات عديدة بطائرات بدون طيار مجهولة الهوية عجزت أمامها التكنلوجيا العسكرية الروسية صاحبة الأسرار العميقة عن التعامل معها، ثم تم إسقاط الطائرة الروسية نوع سوخوي 25، وبعد ذلك جاء القصف الأميركي لقوات النظام السوري والمليشيات الطائفية والمرتزقة الروس في ريف دير الزور في 8 فبراير 2018 هو عمل عسكري ميداني، ويحمل في طياته رسائل استرايجية مهمة موجهة لروسيا وإيران والنظام السوري والمليشيات المتجحفلة معهم.

قصف صاروخي

وأوضح الخبير العسكري، أن روسيا أيقنت بأن واشنطن وإسرائيل من تقف وراء انتكاساتها الميدانية، ومن هنا اتخذت القرار بعدم ادّخار أي جهد عسكري للثأر من واشنطن أو حليفها الكيان الصهيوني،ليأتي الرد الروسي عن طريق الدفاعات الجوية السورية بإسقاط طائرة إسرائيلية من طراز إف-16 وإصابة أخرى، واتفقت بعد ذلك مع تركيا بشن عملية عفرين وإمكانية توسعها باتجاه القوات الأميركية في منبج.

وتابع: «ولهذا رأينا أن إسرائيل هاجمت مؤخرا مطار (التي فور) العسكري من داخل الأجواء اللبنانية خوفا من الإمكانيات الروسية التي تتخذ الأدوات السورية غطاء لتصفية حساباتها».

وقال الطائي إن هذه الحسابات الميدانية جعلت أميركا هي الأخرى أخذت بالتأني في الرد على مذبحة (دوما) واكتفت حاليا بالرد الإسرائيلي الذي لا يرى أية عائق في خرق أجواء الدول المجاورة له.

ضربة غير تقليدية

واستبعد الطائي أن يكون تأخر الضربة الأميركية، يعني أن واشنطن ستترك الأمر دون رد، ولكن رأى أن «حكومة ترامب ستقوم برد كبير وشامل يختلف عن رد (خان شيخون) لكبح جماح الدب الروسي وتحجيم الدور الإيراني والتركي في سوريا، لذلك إن حدثت الضربة الأميركية فسوف لن تكون تقليدية وستكون ذات تاثير كبير وقد تغيّر الميزان العسكري في الجغرافيا السورية».

ويأتي الحديث عن الاستعداد للضربة الأميركية، في وقت تتعالى فيه أصوات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية، مطالبة بمعاقبة النظام السوري على مذابحه، وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان، أمس الإثنين، إن التقارير التي تشير إلى احتمال وقوع هجوم كيميائي آخر في بلدة دوما يوم السبت، تسلط الضوء على عجز الاستجابة الدولية للهجمات السابقة التي زعم وقوعها في سوريا.

وأضاف زيد رعد الحسين، في بيان صحفي: «بعد عقود مما اعتقدنا أنه حظر لاستخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، يقف العالم صامتا فيما يصبح استخدام تلك الأسلحة أمرا عاديا في سوريا».

وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إن الإدانات الشفهية ليست كافية. وذكر أن الفشل في إجراء تحقيق ملائم بشأن كل ادعاء بوقوع هجوم بالأسلحة الكيميائية من قبل كل الأطراف، يشجع على استخدام مثل هذه الأسلحة ويقوض شرعية النظام القانوني الدولي.

التجهيز لرد جماعي

أحد المؤشرات التي أدت لتأخر الرد العسكري، كانت محاولة ترامب، خلال اليومين الماضيين، لاستقطاب عدد من الدول الغربية في ضربته للنظام الروسي، لإضافة مزيد من الشرعية الدولية عليها، فأتت التصريحات الأميركية، باحتمالية توجيه ضربة عسكرية «جماعية»، فيما أصدر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأميركي تعهدا مشتركا، الأحدالماضي، بـ«رد قوي مشترك» على الهجوم الكيميائي المفترض.

مجلس الأمن فشل تكرارا في وضع حد للمذابح السورية، ولكن الولايات المتحدة أصرت على تقديم مشروع قانون ينص على تشكيل «آلية تحقيق مستقلة تابعة للامم المتحدة» (يونيمي) بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، يكون تفويضها صالحا لمدة عام قابل للتجديد، في الوقت التي تتأكد فيه بأن روسيا لن يكون أمامها سوى استخدام الفيتو لوقفه.

وفي هذا الشأن، رأى خبراء أن أميركا تستخدم القانون كـ«فخ» لروسيا، فيقول ريتشارد غوان، خبير الأمم المتحدة من المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، إن «مشروع القرار الأميركي هو فخ للروس الذين لن يكون أمامهم من خيار سوى التصويت بالفيتو».

وأضاف أن ذلك «قد يعطي الولايات المتحدة وربما فرنسا ذريعة لشن عمل عسكري»، مشيرا إلى أن «جميع الأطراف تعرف ما يحدث والروس يتوقعون بالفعل عملا عسكريا أميركيا بسبب الغوطة منذ فترة».

وعليه فإن الأراضي والأجزاء السورية، تتجهز لتشهد مواجهات دولية كبيرة، فيرى الطائي أن «مسار الاقتال الميداني الدولي هو في حالة تنامٍ وتزايد، ومؤشرات المعركة في الجغرافيا السورية أخذت شكلا آخر وارتفعت حدتها، وانتقلت من المحلية إلى الدولية نتيجة الحرب الجوية والصاروخية التي تديرها الدول في سوريا، فالإرادات والمشاريع الدولية تُسخّن الميدان السوري حاليا، وقد تتوسع ونشهد مواجهات بينهم هنا وهناك ولكن لا ترقى لمفهوم الحرب، وهذا لا يمنع من الانزلاق بأودية الحرب».

وتوقع الخبير العسكري، أن «نشهد تطورات عسكرية وسريعة في الحرب خاصة مع تواجد حكومة حرب كاملة مع ترامب، وقد يرافقها تدخل صهيوني بري وبحماية جوية في الجنوب السوري واتخاذ هذا الحادث ذريعة لزيادة نفوذها جغرافيا في سوريا وهذا ما يتقنه الصهاينة في هكذا مواقف»، مضيفا أن «مجلس الأمن بات محيّدا أمام الفيتو والفيتو المضاد (الروسي والأميركي) وهاتان الدولتان بدأتا بتصفية ملفاتهما على الجغرافيا السورية، وسيدفع السوريون المزيد من الدماء ثمن حرب عنوانها المصالح والمشاريع والأطماع».