شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

روائية لـ«نيويورك تايمز»: مثل قصة منزلنا القديم.. السيسي حوّل مصر إلى دولة قمعية

أرشيفية

قضيتُ أنا وأخي الأيام الثلاثة للانتخابات الرئاسية المصرية في تجهيزات للفيلا التي كنا نقطن فيها مدى الحياة، وتتكون من 22 غرفة بنتها جدتي عام 1940 على ضفاف نهر النيل في منطقة الزمالك؛ وهو المكان الذي عاشت فيه أمي وعشتُ فيه.

كانت جدتي «عصمت» تحلم بمنزل يصمد لأجيال، وعندما تزوجتْ شرعت في شراء قطعة أرض عام 1938، ثم أحاطتها بسياج خرساني ومعدني، وسرعان ما أقيم البيت نفسه؛ وشملت حديقة الفيلا أشجار مانجو وتين وزيتون، ولم يفصلها شيء عن نهر النيل مباشرة.

جسّدت العشرينيات من القرن الماضي حداثة الخيال وحلم دولة مستقلة في مصر، وفي السنوات الأولى من عهد القومية المصرية تمتعت جدتي بميول سياسية قوية، بجانب قوة الإرادة، التي دفعتها لتكليف المهندس علي جبر، الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة والرائد المصري المعماري، لبناء الفيلا التي نقطن فيها.

تنوّعت مواد بناء المنزل بين أبواب مهيبة مصنوعة من الخشب، والزجاج والنوافذ الشاسعة والمختلفة الأشكال والألوان، والحديقة التي تحاصر المنزل، وغرفتين للترفيه زُيّنتا بأفاريز مزخرفة بأسلوب فني جمالي، وهو الجزء المفضّل ليّ حتى الآن، إضافة إلى البلاط الحمامي المنحني في زوياه.

الفيلا أُدرجت فيما بعد تراثًا معماريًا للمدينة، لا يجوز هدمها أو تغييرها؛ وأصبحت معْلمًا من معالم الحي، بل وربما أكثر شخصية منا جميعًا.

كبرتُ وفكّرتُ في المنزل كبيتنا، وكانت أمي أصغر شقيقاتها الأربع، وآخر من تزوجت فيهن؛ لكنها سرعان ما ترمّلت، وأصبحت تعيش وحدها في المنزل بصحبة أطفالها نحن. وأثناء زاوجها، قُسّم المنزل رسميًا إلى طابقين، وانتقلت أمي إلى الجانب الجنوبي للفيلا في غرفة النوم التي ولدت فيها؛ لكنها عادت وحيدة مرة أخرى في 2011 بعد انفصالها عن والدي.

أما أنا فنشأتُ في الطابق العلوي مع والدي وأخي الأكبر، وفي وقتٍ لم يبق سواي أنا وأخي في المنزل، مع أمي بالطبع؛ كنا ندخل ونخرج، نصعد وننزل، لعبنا ومارسنا طفولتنا، واختبأنا داخل المواقد والغرف السرية، وانزلقنا على الدرج، وفتحنا أبواب الحديقة أمام أطفال الحي كي يلعبوا معنا، وأنشأ أخي حديقة مصغرة أعلى منزلنا، ربّى فيها أرانب وحمامًا ودجاجًا وبغبغاوات، ونقرنا على الجداران والأرضيات ورسمنا عليها؛ فعلنا كل ما يفعله الأطقال في منازلهم.

وبعد وفاة جدتي في عام 1984، بعد سنوات قليلة من حكم الرئيس حسني مبارك الذي دام ثلاثة عقود، علمتُ أن المنزل لن يكون أبدًا لنا؛ فوفقا لقانون «الميراث في الإسلام» من المقرر أن يحصل خالي (ابن جدتي) على نصيب أكبر من والدتي في المنزل، وسرعان ما امتلأ المنزل بأولاده، مشاركينه إيانا.

وفي الأعوام السابقة، بيعت فيلات مجاورة أو هدمت، وتغيّر منظر المدينة من حولنا كثيرًا، واستبدلت مرتفعات الحدائق بأبنية أسمنتية، ثم بدأت العيون تتجه نحو منزلنا، لا لقيمته المعمارية؛ بل لأنّ الفيلا كانت معرّضة للانهيار، لأنها قريبة للغاية من طرح نهر النيل، ولأننا لن نستطيع تحمّل تكلفتها أو شراء نصيب من أبناء خالنا؛ بحثنا عن مشترين مضمونين يحافظون عليها ويعيدون تجديدها، وأصبحت هذه مهمة أمي، التي كانت في مواجهة مستمرة مع عائلتها لمدة 30 عامًا.

وفي أوائل العشرينيات من عمري، حينما بدأت خطة الإصلاح الاقتصادي، وبدأت حينها في امتهان الكتابة؛ انتقلت إلى الطابق السفلي من منزلنا، وسكنت في مكان جدتي التي توفيت، وحملت وأخي مهمة حماية أنفسنا على عاتقنا، وبحثنا -على نطاق واسع- عن رعاة محتملين يحوّلون الوطن الخاص بنا «منزلنا» إلى مركز ثقافي مثلًا أو مكتبة أو متحف؛ لكن وجدنا مستثمرين ورجال أعمال من الداخل والخارج لا يريدون سوى الاستثمار في المباني الحديثة والمشاريع الجديدة على أطراف المدن، بمليارات الدولارات وملايينها، لا مركز المدينة التاريخي؛ حيث يوجد التراث الحقيقي بالفعل الذي يمكن الاستثمار فيه.

هكذا تناولت الكاتبة والروائية المصرية ياسمين الرشيدي ماضي مصر وحاضرها في مقالها بصحيفة «نيويورك تايمز» وترجمته «شبكة رصد»، مضيفة أنّه لمدة 30 عامًا كان وكلاء العقارات والسماسرة يرنون جرس الباب؛ لكن سرعان ما تفشل الصفقة، وبقي طموح تحويل المنزل إلى مركز تراثي يطاردنا للأبد، كما طاردنا حلم التغيير بعد ثورة يناير؛ ففي روايتي الأولى في 2014 ذكرتُ المنزل وكأنه الشخصية والشيء الوحيد في حياتي، والحي الذي سكنت فيه بدا وكأنه لم يتغير، بالضبط كأملنا الأول في إسقاط مبارك أيام الثورة وأملنا في إحداث تغيير حقيقي بعد إسقاطه؛ وهو أمل لم يأتِ حتى الآن، كما لم يأتِ راعي منزلنا ومحوله إلى مركز تراثي أو متحف حتى الآن. وبقي منزلنا آخر منزل في الحي لم يتغيّر؛ على أمل، جاء بعد ثورة يناير 2011، مشتر جديد مهتم بالمنول وبإبقائه كما هو.

ففي الأول من أبريل، اليوم الذي تأكّد فيه إعادة انتخاب عبدالفتاح السيسي، سلمنا البيت إلى أصحابه الجدد، وشعرت والدتي أنّهم سيحمون البيت فعلًا. وفي اليوم الأخير، اطّلعتُ على كل الغرف وتمشيتُ فيه كثيرًا، بينما يجلس المشترون في الحديقة لتوقيع العقود، وبمجرد توقيعها عدت إلى الداخل وأغلقت جميع النوافذ والأبواب والستائر، وخرجت من الباب الرئيس وأغلقته خلفي.

كانت اللحظات الأخيرة الأكثر تأثيرًا؛ فرزنا فيها 80 عامًا من تاريخ العائلة، وتخلّصنا من أشياء لم نعد في حاجة إليها، شعرتُ فيها أنّ نهاية عصر عائلتي وعصر مصر الحديثة انتهى للتو، العصر الذي بدأ عام 1922، وأصبح المنزل الآن ملكًا لأجانب؛ بينما أصبحت البلد أكثر قمعية ووحشية، بعيدة كل البعد عن توقعاتي بعد ثورة يناير، ثم جاءت الانتخابات الأخيرة وغير المعترف بها لي؛ لتشهد على نقطة تحول صعبة للغاية.

الآن، تطل شقة والدتي الجديدة على حديقة منزلنا القديم، لم ينتقل الملاك الجدد بعد؛ لكنّ حارس العقار وعائلته يقطنون في الجزء السفلي من المنزل حاليًا، ويقضون أيامهم جالسين على كراسي الحديقة البلاستيكية التي تركناها خلف ظهورنا، أشعر وكأن بيتنا مرتبط بمستقبل هذا البلد وماضيه وحاضره.