الأزمة التركية الهولندية.. انزلاق عابر أم خلاف عميق؟

بشكل مفاجئ ومتسارع، ومن دون مقدمات ظاهرة، أخذت العلاقات بين أنقرة وبعض العواصم الأوروبية في الانحدار؛ فبعد منع ألمانيا تجمعات للأتراك فعلت هولندا ما هو أكثر، حيث منعت دخول وزير الخارجية التركي نفسه، وتلك أزمة تتفاقم على خلفية زيارات يخطط لها مسؤولون أتراك للقاء الجاليات التركية في عواصم أوروبية مختلفة بهدف الحشد لتأييد التعديلات الدستورية المنتظر التصويت عليها في أبريل القادم.

الرؤية الهولندية

ترى هولندا، ومن قبلها ألمانيا، ضرورة تجنيب مواطنيها من ذوي الأصول التركية الدخول في صراعات تركية خالصة لا علاقة لها بوجودهم الأوروبي؛ وقد قررت في هذا الإطار منع طائرة وزير الخارجية التركي بدعوى أن زيارته ستهدد الأمن العام في البلاد.

يُعطف على هذا ما قالت أمستردام إنها تهديدات وجهها الوزير بفرض عقوبات عليها في حال منعه من دخولها، وقالت إنها سعت إلى حل يتمثل في لقاء الوزير بمن يرغب من المقيمين أو ذوي الأصول التركية داخل السفارة أو القنصلية، أما ما سوى ذلك فلا.

سريعًا ما ردت أنقرة باستدعاء القائم بالأعمال في السفارة الهولندية، وشن أردوغان هجومًا حادًا على السلطات في أمستردام، ووصفها بأنها "بقايا الفاشية والنازية"، فضلًا عن تلويحٍ منه بفرض عقوبات على أمستردام، قبله شن شاويش أوغلو هجومًا أعنف؛ فهولندا -كما قال- تحتجز المواطنين الأتراك رهائن عبر حظرها اللقاءات الحاشدة معهم. كما توعدها بعقوبات سياسية واقتصادية قاسية؛ منها احتمال إلغاء الاتفاقات حول تدفق المهاجرين.

الموقف الألماني

ما فعلته هولندا فعلته ألمانيًا أيضًا في شكل آخر؛ فقد منعت قبل أيام تجمعات كان مسؤولون أتراك يعتزمون عقدها مع ذوي الأصول التركية، فعندما سمحت بها كان في نطاق ضيق وفي مقرات دبلوماسية تركية؛ وهو ما حدث مع الوزير أوغلو، وعندها اتهم أردوغان برلين بما اتهم به أمستردام بعدها، وهو "النازية"؛ الأمر الذي أغضب ميركل ودفعها إلى دعوة أردوغان إلى الكف عن الإشارة إلى الحقبة النازية، وقالت إنها لن تسمح بانتقال الصراعات الداخلية التركية إلى مواطنيها من ذوي الأصول التركية.

أما المحكمة الدستورية الألمانية، رغم رفضها حظر حملات المسؤولين الأتراك على أراضيها، فرأت أنه ليس بوسع المسؤولين الأتراك التذرع بالحقوق الدستورية في ألمانيا في محاولاتهم دخول البلاد للمشاركة في أحداث سياسية.

ويعود جزء من الأزمة إلى خلاف يتسع بين دول الاتحاد الأوروبي وأنقرة حول الاستفتاء المزمع على الدستور التركي، وهو استفتاء يمنح الرئيس صلاحيات أكبر.

وترى هذه الدول في ذلك مسعى إلى شرعنة ما  يصفه البعض بـ"الديكتاتورية"، وقالت ألمانيا وهولندا والنمسا وسويسرا ودول أخرى إنها لن تشارك في هذه العملية ولن تقدّم لها التسهيلات، أما أردوغان فيرد ويكرر بأن هذه ليست سوى نزعات نازية وفاشية تتصاعد وتتسع.

وعلى مستوى الأزمة الراهنة يُطرح السؤال بقوة: لماذا اتخذت هولندا هذه الخطوة التي جرّت ردًا ناريًا من تركيا بلغ سقفه بخطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي وصف هولندا ببقايا النازية والفاشية؟ وهل حسبت هولندا الأمر جيدًا؟ وهل يعتبر هذا الخلاف ارتدادًا لأزمة عميقة لها خلفيات أيديولوجية أو أنه انزلاق عابر وأن الطرفين يدركان حاجة كليهما للآخر؟

تدخل تركي

يقول الخبير في العلاقات الهولندية الشرق أوسطية "مارتين زيخرز" إن هولندا رسميًا ترى أن هذه الفعاليات على أرضها قد تعكر الأمن العام؛ لكن في العمق لا تفضل هولندا أن تتدخل تركيا في شؤون الهولنديين من أصل تركي.

ويضيف في تصريحات تلفزيونية أن ثمة طرفين يستفيدان من الأزمة الراهنة هما اليمين المتطرف الذي سيقول إن الأجانب يسببون المشاكل، ومنها المشاكل بين الأكراد والأتراك؛ وفي مقابل ذلك سيستفيد أردوغان، فهو يندد ويهدد ويصف الهولنديين بالنازيين ويحصل على التصفيق، وغضبه الآن سيترجم إلى أصوات لصالحه في الاستفتاء.

أردوغان والأزمات

من جانبه، يرى المتحدث الرسمي باسم حزب العدالة والتنمية، ياسين أقطاي، أن أردوغان لا يستثمر الأزمة؛ ولكن الأزمات تُقويه وتُقوي سياسته؛ لما تلقاه من التفاف شعبي شهدناه عند حدوث الانقلاب الذي وقف في وجهه الشعب ودعم أردوغان.

أما السؤال عما إن كانت تركيا تتدخل في هولندا وألمانيا، فقال "أقطاي" إن العكس هو ما يجري؛ فهما تتدخلان في تركيا عبر دعم معارضي الحزمة التعديلية في الدستور، وهو ما يجب أن يُترك للشعب كي يتخذ قراره معها أو ضدها.

ويرى أن أوروبا التي تتهم تركيا بانتهاك حقوق الصحافة وحرية التعبير هي من تتيح إقامة الفعاليات لمعارضي التعديلات الدستورية؛ بل حتى لفتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني وترفضها إذا كانت من حزب العدالة والتنمية.

وعما ستحمله الأزمة الراهنة من أثر على دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قال زيخرز إن سياسات تركيا تباعدها عن الاتحاد الأوروبي، لكن مع حكومة تركية جديدة مقبلة قد يتحسن الوضع، لافتًا إلى أن الاتحاد فاشل في توحيد صفوفه تجاه الشأن الخارجي.

يُذكر أن تركيا تستعد لاستفتاء شعبي يوم 16 أبريل المقبل على تعديلات دستورية تهدف إلى تغيير نظام الحكم في تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

أعمق من الحدث

من زاويته، يرى الكاتب الصحفي والمستشار الإعلامي حسام شاكر أن المسألة أعمق من الحدث الظاهر، سواء بين تركيا وألمانيا أو تركيا وهولندا؛ ويؤكد أن الأزمة الأخيرة أفصحت عن مغزاها الأهم، وهو التوجّه الأوروبي الكامن بعدم الرغبة في استيعاب بلاد الأناضول في القارة الموحدة.

ويقول: ثمة قليل من المصارحة في التسخين المتصاعد ضد تركيا، ومن ذلك أنّ أوروبا بادرت من جانبها إلى تعقيد مسارات التفاوض بشأن انضمام الأتراك إلى الاتحاد الأوروبي، وأنّ لغة التعالي التي يتم استعمالها نحوهم تعود بتأثيرات عكسية حتى على الإصلاحات ذاتها التي حفّزتها آمال العضوية الأوروبية.

ويتابع: واضح أيضًا أنّ القيادة التركية لم تعد متحمسة لاسترضاء الأوروبيين، ولا ينتابها تردد في التسخين خلال المواسم الانتخابية إن تطلب الموقف ذلك؛ وفي ذلك تعبير عن لا مبالاة أنقرة بحلم العضوية الذي يبدو أنه انقشع بالفعل.

ولا مجال لتفاؤل بعضوية كهذه مع صعود أقصى اليمين في القارة؛ خاصة بعد أن تسبّب يمين الوسط في عواصم أوروبية -بدءًا من منتصف العقد الماضي- في تقويض آمال استيعاب تركيا رغم إصلاحاتها النشطة تحت قيادة أردوغان، وهو ما يؤكده اليوم بوضوح السياسي الألماني غونتر فيرهويغن الذي شغل سابقًا منصب نائب رئيس المفوضية الأوروبية ومفوض ملف توسعة الاتحاد.

تصعيد محسوب

ويرى "شاكر" أن للأزمة الراهنة حدودها المنطقية؛ فأنقرة تدرك حاجة أوروبا إلى استقرار التفاهمات معها في ملفات عدة، منها مسألة اللاجئين وملفات استراتيجية وأمنية، إضافة إلى تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية بين الجانبين، ومنها خطوط عبور الطاقة مثلًا، ثم إنّ إيصاد بوابات أوروبا في وجه أنقرة ينطوي على مخاطرة أوروبية بإنضاج محور روسي تركي متماسك وغير مرغوب فيه أوروبيًا.

"لا غنى لأوروبا عن تركيا؛ بما يجعل التصعيد الجديد انزلاقًا غير محسوب في العلاقة المتبادلة". ويستطرد: تبدو فرضية الانزلاق العابر راجحة بالنظر إلى أنّ تدهور العلاقة الألمانية التركية جاء بعد أسابيع من زيارة المستشارة ميركل لأنقرة التي يُفترض أنها قلّصت الفجوة بين الجانبين.

ولا مصلحة لأوروبا في تصعيد حادّ مع تركيا؛ خاصة في مرحلة ضاغطة يواجه فيها الأوروبيون اختبارات شاقة مع حليفهم الأميركي وجارهم الروسي، إضافة إلى مصاعب بيتهم الداخلي بعد قرار الانفصال البريطاني عنه.

ويقول: من المستبعد أن تهدأ الأزمة مع أنقرة حتى الفراغ من الاستفتاء التركي على النظام الرئاسي؛ لكنّ الجانبين لن يحتملا مزيدًا من التصعيد على الأرجح. تقف تركيا اليوم إزاء قارة متعددة الأهواء ولا تفتقر إلى أطراف تسعى إلى استفزازها بشكل دؤوب، بما يزيد من وطأة الأواصر الشائكة.

وتبقى أنقرة بحاجة إلى صون شراكتها مع أوروبا ولو بقي ذلك خارج النادي الأوروبي الذي يفقد اليوم يقينه بشأن مستقبل الوحدة.

أما أوروبا، كما يرى شاكر، فلا جدوى تبتغيها من تأزيم مزمن مع تركيا ستكون له تبعاته في عالم تتحرك فيه خرائط التحالف سريعًا، فضلًا عن أن يكون للأوروبيين مصلحة رشيدة في استثارة المكوِّن التركي المستقر بكثافة في تجمعات مدينية كبرى بغرب القارة، أو في استفزاز الناخبين الأتراك خلال حملة استفتاء شعبي ساخنة.