وثيقة "حماس" للمبادئ والسياسات.. النقاط الساخنة تحت مجهر الخبراء

منذ انطلاق حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في غزة على وقع انتفاضة الحجارة عام 1987، شهدت القضية الفلسطينية تغيّرات أدت إلى واقع يفرض نفسه على الأطراف الضالعة في القضية كافة؛ لوجود حركةٍ مقاوِمةٍ ذات جذور وخلفيات إسلامية وامتدادات حركية ترتبط بجماعة الإخوان المسلمين.

ومرّت حماس بمنعطفات على مدار تاريخها، أبرزها فوزها بأغلبية كبيرة في انتخابات 2006؛ ما فتح لها المجال لتولّي رئاسة الوزراء، وكذلك لخلافات واسعة مع حركة "فتح" انتهت بسيطرة حماس على قطاع غزة وفصْله على المستويين السياسي والإداري. ثم خاضت ثلاث مواجهات كبرى مع "إسرائيل"، شنّت من خلالها هجمات قوية على القطاع؛ آخرها حرب 2014 المسماة "الجرف الصامد".

ومع تقلّبات الواقع السياسي بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، ثم سقوط هذه الثورات بأخرى مضادة وأنظمة عميقة في الدول التي ثارت شعوبها، تتخذ اليوم حماس خطوةً قد يكون لها تأثيرها في واقع القضية الفلسطينية؛ سواء على المستوى المحلي في علاقتها مع "فتح"، أو المستويين الإقليمي والدولي.

حيث خرج رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، على المجتمع الدولي بما أسمته حماس "وثيقة المبادئ والسياسات"، أجملت فيها سياساتها التي أعلنت عنها كافة منذ انطلاقها؛ ولكن بشكل يحمل اختلافات، كما تحوي جديدًا، وما قد يكون مؤثرًا قويًا على تعامل المجتمع الدولي معها ومع القضية الفلسطينية.

وكثيرة هي التساؤلات التي أثارتها هذه الوثيقة؛ أبرزها يدور حول مدى تغير موقف حماس من "إسرائيل" واستعداداها للاعتراف بها، وكذلك حول دلالات قبولها قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 67 وإعلانها فك الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.

إعلان حرب

من زاويته، يرى الكاتب الصحفي الإسرائيلي "إيلي نيسان" أن الوثيقة بمثابة إعلان حرب على "إسرائيل"، وبنودها بشكل عام مرفوضة إسرائيليًا؛ لأنها لم تُقدّم جديدًا أو ما هو مختلف عن مبادئ حماس المعلن عنها منذ تأسيسها فيما يخص "إسرائيل"؛ فحماس تعلن عزمها عدم الاعتراف بها سياسيًا أيًّا كانت الظروف والأحوال.

وحول قبول حماس قيام دولة فلسطينية على حدود 67، قال "نيسان" إن هذا نوع من المراوغة من جانبها؛ بدليل إعلانها في الوثيقة ذاتها أن "إسرائيل" ليس لها حق الوجود على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 48.

وأضاف، في تصريحات تلفزيونية، أن حماس أرادت من هذه الوثيقة مخاطبة العالم بأنها مستعدة للانفتاح وغير متعصبة؛ حتى تسجل بذلك خطوة سياسية جديدة تحسب لها لدى الغرب خصوصًا.

فك الارتباط مع الإخوان

بينما قال المتحدث الرسمي باسم "حماس"، حازم قاسم، إن إعلان الحركة فك ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين على المستويين الإداري والتنظيمي ليس أكثر؛ أي إن الحركة لا تستقبل توجيهات من الخارج، وهي حركة فلسطينية خالصة، وهذا لا ينفي الارتباط الفكري بجماعة الإخوان المسلمين على مستويي التأسيس وفهم الدين الإسلامي الذي يحضّ على المقاومة ورفض الظلم والدفاع عن العرض والأرض، وكذلك ترتبط الحركة بجماعة الإخوان في فهمها للإسلام على أنه دين وسطيّ معتدل لا يشجع على عداء الغير دون سبب.

وفي السياق ذاته، قال عضو المكتب السياسي للحركة عزت الرشق إن أعضاء حماس تربوا على أفكار الإخوان المسلمين ولا يمكن التخلي عنها، وهو فهمها الواعي للإسلام الذي يراعي الانفتاح على الآخر دون التفريط في الثوابت. وأكد، في تصريحات لتلفزيون الجزيرة، أن الانفصال عن الإخوان "إداريّ"؛ بمعنى الاستقلال ليس أكثر.

أمر اضطراري

وقال الباحث السياسي والمهتم بشؤون الجماعات الإسلامية د. حسن أبو هنية إن الانفصال عن الإخوان من قبل حماس حاليًا يعكس تفكيرًا برجماتيًا، ونجحت حماس أن تُحجّم هذا الأمر في الوثيقة بالشكل الذي لا يظهرها متنكرة للإخوان وفي الوقت ذاته غير محسوبة عليها، وقال إن هذا أمر اضطرت إليه حماس في ظل تفوق الثورات المضادة على ثورات الربيع العربي.

وتابع في تصريحات خاصة لـ"رصد": لو كان الإخوان في موضع الحكم الآن في الدول التي فازوا فيها بالانتخابات عقب الربيع العربي ما اضطرت حماس إلى إعلان هذا الانفصال.

السيسي والوثيقة

من جانبه، يتوقع المحلل السياسي والباحث بمركز الجزيرة للدراسات شفيق شقير أن النظام في مصر لن يكون متوسّعًا في التعامل مع وثيقة حماس؛ بل سيكون تعامله معها في نطاق ضيق وغير معلن.

وأضاف في تصريحات تلفزيونية أن النظام المصري مضطر للتعامل مع حماس كجارٍ وحاكمٍ لقطاع ملاصق للحدود المصرية كاضطرار تعامل أي دولة مع جارٍ سياسي لها.

وتابع: مصر متنفذة بقوة في عديد من المسائل الخاصة بالقضية الفلسطينية؛ خاصة على مستوى خلافات "حماس" و"فتح"، ولها يد ليست بالقصيرة في مثل هذه المسائل، وربما تنعكس الوثيقة الجديدة على تعامل مصر معها في هذا الإطار فقط.


موقف "فتح" والمبادرة الفلسطينية

بعد قراءته المبدئية للوثيقة، رأى أمين عام المبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوتي أنها تمثّل مكونًا مهمًا على الساحة؛ لأنها توفّر أساسًا إيجابيًّا لتشكيل موقفٍ وطنيٍّ يحقق إنهاءً للانقسام الفلسطيني.

وتابع، في تصريحات صحفية، أن موافقة حماس على إقامة دولة مستقلة على حدود 67 دون التخلي عن حق اللاجئين، بالإضافة إلى تبني أشكال المقاومة كافة ضد الاحتلال، وإعلانها عن إيمانها بالتعددية السياسية وعملية تداول السلطة بشكلها المتعارف عليه دوليًا؛ كل هذه نقاط من المفترض أن تشكل نقطة تحول لدى تعامل حركة فتح مع حماس.

وقال إنه يجب أن تستغل "فتح" هذه النقاط للالتقاء مع حماس على المشتركات بينهما والسعي نحو التوحد الذي تخشاه "إسرائيل" وتحاربه بالطرق كافة. وأضاف أن المبادرة أصدرت بيانًا ترحّب فيه بالتطور الإيجابي في وثيقة حماس وفي رؤيتها السياسية لحركة فتح، معربًا عن أمله أن تنتهج فتح النهج نفسه.

وتساءل: ما دامت حماس اقتربت هذه الخطوات فلماذا لا تقترب فتح بالمقدار نفسه وأكثر؟ وقال: يجب الترحيب بذلك؛ خاصة إذا كانت حماس موافقة في الوقت الراهن على إجراء انتخابات، فلماذا لا تتلاقى معها فتح في هذه الخطوة؟

تخوّف "إسرائيلي"

أما عن موقف الغرب المتوقع من الوثيقة فقال الباحث السياسي محمد غانم، عضو حركة طريق الثورة بمصر، إنها تحوي ما يسهّل عملية إنهاء خطأ الغرب باعتبار حماس إرهابية.

وتابع في تصريحات خاصة لـ"رصد": لا أعتقد أن ذلك سينعكس فورًا، وأرادت "إسرائيل" التأثير على موقف الغرب حتى قبل أن يبدأ خالد مشعل الكلام عن الوثيقة؛ حيث أعلنت رفضها لها واتهمت حماس بالإرهاب، وهذا يدل على تخوف إسرائيل من تلقي الغرب وثيقة حماس بشكل إيجابي.

من جانبه، يقول رئيس لجنة الحريات بالداخل الفلسطيني كمال الخطيب إن توقيت الإعلان عن الوثيقة ربما يكون متعمّدًا؛ حيث تحتفل "إسرائيل" غدا بذكرى ما تسميه "استقلالها"، وهو ما يشكّل رسالة ربما تعكر عليهم هذه المناسبة. 

وقال إن إعلان حماس عبر الوثيقة أن صراعها مع الصهيونية والكيان الصهيوني وليس اليهود كأصحاب ديانة "في محلّه"، معتبرًا أن هذا التشخيص حقيقي؛ لأن الصراع مع المشروع الصهيوني فقط ليس مع اليهود كأصحاب ديانة، والتاريخ يشهد أن اليهود كأصحاب ديانة كثيرًا ما لجؤوا إلى المسلمين لإيوائهم في المغرب واليمن ومصر والأندلس إبان رفض الغرب لهم.

المجتمع الدولي..الموقف المتوقع

قال الدكتور عمرو عبدالرحمن، بالجامعة الأسترالية بالكويت، إن المجتمع الدولي سيرفض الوثيقة رفضًا شديدًا؛ لاعتقاده ألّا تكون موضع نقاش لدى المجتمع الدولي الذي يتمثل في الولايات المتحدة والغرب وروسيا.

وقال في تصريحات خاصة لـ"رصد": أرى أن هذه الوثيقة موجهة إلى العرب والمسلمين برسالة واضحة مفادها أن حماس ليست متطرفة ولا إرهابية؛ وإنما هي حركة وسطية تؤمن باعتدال الإسلام وفي الوقت ذاته لا تتنازل عن المقاومة.

وأضاف: تعلم حماس أن المجتمع الدولي لن يسعى إلى أي توظيف إيجابي لهذه الوثيقة، وهو ما قاله خالد مشعل في حوار له مع تلفزيون الجزيرة بأن المجتمع الدولي منشغل بقضايا أخرى ولن يلتفت إلى تأسيس موقف بناءً على هذه الوثيقة.

لماذا خالد مشعل؟

وحول دلالة إعلان خالد مشعل الوثيقة بذاته رغم أنه سيودّع منصبه داخل حماس خلال أيام ويسلم مهامه إلى شخص آخر تنتخبه الحركة، يرى شفيق شقير أن هذه رسالة من حماس مفادها أن الحركة كلها موحدة خلف هذه الوثيقة على مستوى القيادات القديمة والحديثة، وكذلك على مستوى الشعب، والحركة بكل مستوياتها ملتزمة بها.

وأضاف: تدرك حماس أن البنود التي تعتبر محل جدال ستفتح الباب للحوار المجتمعي داخل قطاع غزة والأراضي الفلسطينية بشكل عام، وهي أرادت بإعلان مشعل للوثيقة أن تطمئن الجميع.

قبل الوثيقة وبعدها

وعن الفرق بين حماس قبل الوثيقة وبعدها ومدى التغيّر الذي قد يطرأ عليها كحركة تحرر وطني واجهت "إسرائيل" كثيرًا ونفّذت ضدها عمليات مسلحة متنوعة، يرى عبدالستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخليل، أن الوثيقة في أغلب بنودها لم تقدم شيئًا جديدًا.

وقال إن التغيّر الذي لمحه في الوثيقة يتمثل في قبول دولة على حدود 67، وإن حُجِّمَ بشرط عودة اللاجئين، وعدم الاعتراف بدولة "إسرائيل"، وهذا أمر لا يقبل به الكبان الصهيوني؛ ما يعني أن حماس كما هي كحركة ترى الدولة الفلسطينية من البحر إلى النهر. 

وقال قاسم: يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنها وثيقة وليست مبادرة سياسية، ومن الممكن أن يستغل المجتمع الدولي هذا الموقف من حماس ويسعى إلى تحويلها إلى مبادرة فيما يخص إقامة الدولة الفلسطينية؛ خاصة وأنه لا يستبعد موافقة حماس على ذلك، لا سيما وأن خالد مشعل أعلن من قبل أن المفاوضات آلية وليست مبدأ، ومن الممكن القبول بها كوسيلة ليس أكثر.

القبول بحدود 67

وحول قبول حماس بإقامة دولة فلسطينية على حدود 67، قال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، في لقاء تلفزيوني، إنه يأمل أن يتعامل أيّ مراقب أو محلل مع الوثيقة كمجمل عام ولا يلجأ إلى اجتزائها أو التعامل مع جزء منها دون الآخر، موضحًا أن قبولهم بذلك تلاصق معه إصرار الحركة على عدم الاعتراف بإسرائيل كدولة؛ فالحركة أعلنت موافقتها على ذلك بهدف التلاقي مع رؤية فتح والعرب بشكل عام، من أجل الانطلاق نحو مرحلة جديدة في الصراع يتقدم من خلاله الفلسطينيون إلى الأمام؛ خاصة أن الحركة اشترطت عودة اللاجئين إلى أراضيهم ووطنهم، وبذلك تكون الرسالة واضحة للجميع.

وقال الباحث السياسي أنس حسن، عبر صفحته على "فيس بوك"، إن الحركة بإعلانها قبول الدولة على حدود 67 لم تقدّم جديدًا في هذا الإطار ولم تتجاوز ما قاله مؤسسها الشيخ أحمد ياسين من قبل، والوثيقة التي أصدرتها هي ورقة عمل للتعاطي مع الموقف السياسي الحالي فيما يخص القضية الفلسطينية وما تواجهه حماس من ضغوطات إقليمية ودولية.

وعبّرت حماس في وثيقتها الجديدة عن رفضها لاتفاقات أوسلو وملحقاتها؛ "لأنها تخالف قواعد القانون الدولي ورتبت التزامات تخالف حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف"، كما أكدت رفض جميع الاتفاقات والمبادرات ومشروعات التسوية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو الانتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني أو المساس بالمقاومة وسلاحها.

وقالت إن منظمة التحرير الفلسطينية "إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية"، وقالت إن "دور السلطة الفلسطينية يجب أن يكون في خدمة الشعب الفلسطيني وحماية أمنه وحقوقه ومشروعه الوطني"، وقالت بضرورة استقلالية القرار الوطني الفلسطيني وعدم ارتهانه لجهات خارجية.

وفيما يتعلق بالعلاقات الخارجية، قالت حماس إنها تؤمن "بالتعاون مع جميع الدول الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما ترفض الدخول في النزاعات والصراعات بينها".