بعد "هدم المنازل".. ماذا تبقى في يد الأمن المصري للتنكيل بمعارضيه؟

"شعورٌ يصعب تصوّره، وألمٌ لا يمكن وصفه، حينما رأيت بيتي الذي جمعني بزوجي الشهيد يُهدم أمام عينيّ بيد العسكر. لكن، حسبي الله ونعم الوكيل". بحسرة وشجن حاولت مريم ترك، زوجة "محمد بلبولة" المُصفّى على يد قوات الأمن المصري منذ قرابة شهر، وصف شعورها وهي ترى السلطات تهدم منزلها.

وحسبما أفادت مريم ترك ووافقها شهود عيان، فإن منزلها ضمن خمسة أخرى هدمتهم السلطات المصرية بقرية البصارطة التابعة لمحافظة دمياط في الأيام الماضية؛ بعضها يتكون من أكثر من طابق ويقطنها أهالٍ لمطاردين ومعتقلين وقتلى بيد قوات الأمن.

وقالت مريم في تصريحات صحفية إن قوات الأمن لم تتحمل عناء تبرير هدمها المنازل بأي صورة؛ بل وسرقت كل ما يمكن إعادة تدويره والانتفاع به بعد الهدم، كالنوافذ والأبواب والحديد.

وقال شهود العيان إن السلطات حاصرت أربعة منازل أخرى تمهيدًا لهدمها؛ إلا أن انتفاض أهالي القرية واحتشادهم في وقفات مواجهة لتجمعات قوات الأمن دفع القوات إلى التراجع وفك الحصار عن هذه المنازل، مع استمرار تمركزهم قريبًا منها؛ ما يثير مخاوف من عودتهم إلى هدمها.

نهج جديد

ويرى مراقبون وحقوقيون أن السلطات بهذا الأسلوب اعتمدت نهجًا جديدًا في التعامل مع معارضيها ليست له سابقة سوى التهجير القسري الذي نفذه النظام بحق أهالي شبه جزيرة سيناء، وتمثل انتهاكها لمساكن المعارضين في تكسير المنازل وإفساد محتوياتها، ويقف عند سقف حرق منازل منها.

وأصدرت منظمات حقوقية، في مقدمتها المنظمة السويسرية لحماية حقوق الإنسان والتنسيقية المصرية لحقوق الإنسان، بيانات وثّقت فيها هدم هذه المنازل واستنكرتها وطالبت السلطات بإيقافها، كما أبدت تخوفها من تكرار هذا النهج مع معارضين آخرين. وتساءلوا: ماذا سيفعل الأمن المصري بحق معارضيه بعد القتل والتهجير والاعتقال وحرق المنازل وهدمها؟

في هذا السياق، يعتبر المحامي والباحث الحقوقي المصري أحمد مفرح ما فعلته قوات الأمن تحوّلًا في شكل الإجراءات التي تتبعها بحق المعارضين أو حتى المطلوبين على ذمة قضايا جنائية.

وقال في تصريحات صحفية إن هذا التحول نتيجة طبيعية لتغول السلطات الأمنية في القمع وإغفالها في تحركاتها بالقانون أو إجراءاته، مشددًا على أنه لا مسوغ قانونيًا يخوّل القيام بهذا العمل إلا في حالات واضحة صدرت فيها قرارات إزالة مبانٍ لتعديها خطوط النظم المدنية المتبعة في المدن والقرى.

أساس قانوني

لكن أحمد مفرح أشار إلى قانون الطوارئ الذي يبيح لرئيس الجمهورية إصدار قرارات تنفيذية لإزالة مبان ومنشآت، كما تنص على ذلك المادة الثالثة منه وتعطيه الحق في إخلاء أماكن أو عزلها؛ ما يدفع إلى اعتبار ما حدث في البصارطة مبنيًا على أساس هذا القانون.

وتوقع، نقلًا عن "الجزيرة نت"، استمرار هذا النمط من التعامل مع المعارضين وانتقاله إلى مدن ومحافظات أخرى؛ ما دامت أجهزة الرقابة وجهات التحقيق سكتت عليه.

قمع بلا سقف

أما مسؤول الملف المصري في المنظمة العربية لحقوق الإنسان ببريطانيا مصطفى عزب فيرى أن هذه الإجراءات تدل على أن منهج القمع الذي اعتمده النظام الحالي لا سقف له؛ خاصة أن النظام يستمد بقاءه من إرهاب خصومه، وهو بالتالي بحاجة إلى رفع مستوى القمع ليحصل على الأثر المرجو من ممارساته.

ويعتبر أن هدم المنازل لا أساس قانونيًا له؛ وبالتالي فهو أقرب إلى فعل مليشيات مسلحة لا قوات أمن نظامية تطبق القانون وتحفظه، وقال إن العقوبة في الأصل شخصية في حالة التسليم الجدلي بأن من هُدِمت منازلهم مدانون في جرائم جنائية خطيرة.

وقال إن السلطات لا تبرر هذه الممارسات؛ بل تتجاهل التعليق عليها، ومع انهيار منظومة العدالة في مصر وتسييس القضاء لا يوجد أي سبيل لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم بحق المواطنين؛ ومن المتوقع أن تمتد هذه الممارسات إلى قرى ومناطق أخرى.