مبدأ "محاسبة المسؤولين".. مفارقة الحالة البريطانية والواقع المصري

فتحت المخابرات الداخلية البريطانية تحقيقًا داخليًا في إخفاقها في التعامل مع تحذيرات سابقة بشأن مُنفِّذ الهجوم الانتحاري الأسبوع الماضي بمانشستر، واعتبرته وزيرة الداخلية "أمبر راد" خطوة أولى صحيحة من جهاز الأمن.

وبعد مرور نحو أسبوع على الهجوم، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية اليوم الاثنين أن جهاز الأمن الداخلي (إم. آي. 5) يجري تحقيقًا في كيفية تعامله مع تحذيرات عامة بأن المهاجم سلمان عبيدي الذي نفذ تفجير مانشستر يشكّل خطرًا محتملًا، كما حذّر كذلك من أفكاره المتطرفة ثلاث مرات على الأقل.

وقالت إن الجهاز الأمني سيفحص افتراضات قيلت عن سلمان قبل الهجوم، وبدأت "تحقيق ما بعد الواقعة" في كيف جرى إغفال الاهتمام بالمهاجم. وأضافت أنه يجري إعداد تقرير منفصل كذلك للوزراء والمسؤولين الذين يشرفون على عمل الأجهزة الأمنية.

يأتي ذلك بعد أن تأكدت من تلقي السلطات ثلاثة تحذيرات من مُدرّسين ورجال دين مسلمين بشأن توجّه العبيدي نحو التطرف واحتمال لجوئه إلى العنف. وقالت مصادر مطلعة الأسبوع الماضي إن عبيدي كان واحدًا من أشخاص آخرين كانوا محل اهتمام في السابق، وظل خطرهم محل بحث في جهاز الأمن الداخلي.

إعلان نادر

ويعتبر الكشف عن هذا النوع من التحقيقات الداخلية أمرًا نادرًا في المملكة المتحدة؛ فمن غير المعتاد أن تعلن السلطات أن جهاز الأمن يجري تحقيقًا داخليًا في احتمال حدوث ثغرات.

وفي تعليقها على هذه التحقيقات، قالت وزيرة الداخلية إن "هذه خطوة أولى صحيحة يتخذها جهاز الأمن الداخلي في أعقاب التفجير الذي راح ضحيته 22 شخصًا".

وعلى وقع هذه الخطوة البريطانية، التي يرى خبراء أنها تعكس شفافية وحرصًا على مصلحة المواطنين، كما تعكس تقديرًا من الدولة لمدى المسؤولية الملقاة على عاتقها تجاه المجتمع؛ صار السؤال مطروحًا عربيًا، وعلى وجه الدقة مصريًا: لماذا لا يجد المصريون محاسبة واضحة لمسؤول أمني وعقابًا يردع المقصرين في هذا الاتجاه؟

فمصر تشهد أحداث عنف متتالية، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة؛ ومع ذلك فإن التغيرات التي تحدث على مستوى القيادات نتيجة هذه الأحداث يراها البعض طفيفة وغير مؤثرة، وعلى استحياء ملحوظ؛ فلا تغيير لمسؤول، خاصة بدرجة وزير، إلا ضمن حركة تنقلات عامة وتقليدية.

فهل يرتبط تغيير الوزراء والقيادات في مصر بأوراق بعينها أم له حسابات خاصة، أم أن النظام لا يرى نفسه مقصرًا من الأساس؟

حسابات خاصة

في هذا الصدد، يقول السياسي الأكاديمي الدكتور محمد العادل إن عزل مسؤول من منصبه في الأنظمة العربية بشكل عام يخضع إلى حسابات عديدة، آخرها المهنية، وفي الحالة المصرية على وجه الخصوص النظام وصل إلى سدة الحكم عبر انقلاب عسكري؛ ولذا فإن حسابات عزل وزير من منصبه تكون مضاعفة، يأتي على رأسها مدى تأثير هذا الوزير أو المسؤول في النظام وطبيعة الأوراق التي تحت يديه.

ويتابع في تصريحات خاصة لـ "رصد": لعبة السياسة في مثل هذه الأنظمة تحفها المخاطر وتتحكم فيها الملفات؛ فمن الممكن أن تقع عشرات هجمات العنف في عهد وزيرٍ واحد، وقد يُعزل بعض مساعديه؛ لكن في الهجمة السابعة أو الثامنة.

أمر مريب

من جانبه، يرى الكاتب الصحفي المصري سليم عزوز أن عدم محاسبة وزير الداخلية وإقالته عقب تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة في ديسمبر الماضي، وأيضًا دون فتح تحقيقات في هذه الأمور، كان مؤشرًا واضحًا على أن السيسي لا ينوي محاسبة أحد؛ بدليل قوله: "اللي حصل ده مش بسبب التقصير الأمني".

ويتابع: بعد ذلك وقعت الهجمات الواحدة تلو الأخرى؛ فكان تفجير كنيستي الإسكندرية وطنطا والهجوم على الأقباط في العريش، ومؤخرًا الهجوم على حافلة للأقباط بالمنيا.

ويمضي قائلًا: هناك احتمالان لا ثالث لهما من وراء إصرار السيسي على عدم محاسبة المسؤولين بشكل مباشر؛ أولهما أنه مقتنع أنهم يقومون بواجبهم وعملهم على أكمل وجه، وبالتالي لا داعي لمحاسبتهم، أو أن هناك تدخلات مخابراتية في هذه الهجمات على غرار تفجير كنيسة القديسين في عهد مبارك.

وتابع عزوز في تصريحات صحفية: الناس سعدت بإقالة مدير أمن الغربية بعد تفجير كنيسة طنطا، وهو ما عرف فيما بعد بأنه حدث بسبب تصوير ضربه من قبل الأهالي أمام الكنيسة؛ بدليل أنه لم يُحل إلى المعاش، بل ضُمّ إلى مكتب وزير الداخلية؛ ولذا فإن الأمر يدعو إلى الشك والريبة ويفتح بابًا لسؤال مهم: ماذا يمتلك هؤلاء الوزراء أو المسؤولون حتى يُبقي عليهم السيسي في مناصبهم على هذا النحو؟

استغلال الأحداث

فيما يقول الناشط السياسي أحمد غانم (اسم مستعار)، أمين عام حزب مصري منحل، إن السيسي لا يبحث عن المسؤول من وراء أعمال العنف في مصر؛ ولو أن هناك حسابًا حقيقيًا لأقيل السيسي نفسه.

وفي تصريحات خاصة لـ"رصد"، يؤكد أن السيسي يبحث عن كيفية الاستفادة من هذه الأحداث؛ فتارة يفرض الطوارئ بعد عمل إرهابي، وهو ما لم يمنع العمل الذي تلاه، وتارة يستغل الحدث لضرب مواقع في ليبيا، وهو ما حدث مؤخرًا على خلفية الهجوم على حافلة الأقباط بالمنيا، ومن قبل ذلك استغل أحداث الكنيسة المرقسية لإعادة نشر قوات الجيش في الشوارع وتشديد القبضة الأمنية وتصفية بعض المعارضين السياسيين.

ويضيف: محاسبة المسؤولين وإقالتهم ثقافة غائبة في الأنظمة الشمولية، والمسؤول نفسه لا يستطيع أن يقدم استقالته إلا بإشارة من السيسي؛ فيما يعكس استبدادية وتسلطًا لا يخفيان على أحد من المراقبين.