عمرو حمزاوي يكتب:

لسنا بهذا الضعف

دون مواربة، تمكن نظام الحكم فى مصر من إغلاق الفضاء العام والمجال السياسى وحصار المجتمع المدنى وتعقب أصوات المعارضة السلمية، مثلما نجح فى استتباع السلطة التشريعية وتهديد استقلال السلطة القضائية وفرض هيمنة السلطة التنفيذية خاصة مكونها العسكرى ــ الأمنى على مؤسسات وأجهزة الدولة. غير أن مقاومة بعض القطاعات الشعبية وبعض الحركات الاجتماعية لسياسات الإغلاق والحصار والتعقب والاستتباع لم تتوقف، بل تطورت على نحو إيجابى ما إن استفاق الناس من فاشية «التفويض الشعبى» وأحاديث «المؤامرات الكونية» ومن إطلاق الاتهامات باتجاه المدافعين عن الحريات وحقوق الإنسان كمصطفين فى «طابور خامس» يخون المصالح الوطنية.


لسنا بهذا الضعف، حتى وإن تراجع القبول الشعبى للفكرة الديمقراطية وتواصل الترويج لوعى زائف يرادف بين مكونات الديمقراطية كتداول السلطة وحكم القانون وبين أخطار الفوضى وفشل الدولة وتهديد أمن البلاد. لسنا بهذا الضعف، حتى وإن استمرت قطاعات شعبية مؤثرة فى قبول المقايضة السلطوية «تحقيق الأمن والاستقرار نظير تجاهل الحريات والحقوق» التى يتبناها نظام الحكم فى مصر وينفذها بسياسات التخويف والخلط المتعمد فى مقولاته الرسمية بين الإرهاب المدان والمرفوض وبين الطلب السلمى على الديمقراطية التى لها وحدها أن تقربنا من التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والحفاظ على مؤسسات دولة قوية وقادرة على مواجهة تحديات التطرف والعنف والإرهاب. لسنا بهذا الضعف، حتى وإن تراكمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وارتكن الكثير من المواطنات والمواطنين إلى وهم «الرجل القوى» القادر بمفرده على توفير الحلول وإخراج البلاد من النفق المظلم للفقر والتضخم وغلاء الأسعار وسوء توزيع الثروة والموارد بين الناس. لسنا بهذا الضعف، لأن الرجل القوى لا يستطيع بمفرده إنهاء أزمات مصر ولأن سياساته الاقتصادية والاجتماعية لا تقدم حلولا متكاملة (وإن صحت وجهة بعض خطواتها)، ولأن تجاهل الحريات والحقوق أضحى يرتب انتهاكات واسعة تشعر الناس بغياب العدل وسطوة الظلم.


لسنا بهذا الضعف، فالحراك الطلابى والشبابى والعمالى والنقابى لم يخسر كل ساحاته خلال السنوات الماضية وطور استراتيجيات وتكتيكات جديدة لمقاومة السلطوية.
***
اليوم، تنتقل الحركات الطلابية من الاشتباك مع القضايا السياسية الكبرى كإلغاء التحول الديمقراطى فى ٢٠١٣ إلى التركيز الفعال على الدفاع عن حريات وحقوق الطلاب القابعين فى السجون وأماكن الاحتجاز، من رفع «يافطات» جماعة الإخوان المسلمين ومطالبها فى ٢٠١٣ إلى تبنى مطالب حرية التعبير عن الرأى وحرية النشاط الطلابى داخل الجامعات، من رفض الحوار مع إدارات الجامعات إلى الاشتباك مع الفرص المحدودة للتغيير التى تتيحها قوانين ولوائح الجامعات كما حدث فى انتخابات الاتحادات الطلابية التى تظل الانتخابات الوحيدة التى خسرها نظام الحكم منذ ٢٠١٣.


اليوم، ينتقل الشباب المهتم بالشأن العام من الانخراط فى الأحزاب السياسية ومحاولة التأثير على خطابها وبرامجها كما كان حالنا بين ٢٠١١ و٢٠١٣ إلى الابتعاد عن الأحزاب بعد أن انضوى بعضها فى ركاب السلطوية الجديدة وصمت البعض الآخر لفترة ليست بالقصيرة على انتهاكات الحريات والحقوق التى أعقبت ٢٠١٣. بل تبتعد اليوم مجموعات شبابية مختلفة عن الأنماط التقليدية لمنظمات المجتمع المدنى كما تطورت منذ ثمانينيات القرن العشرين، وتنفتح على أشكال أكثر دينامية كمبادرات الهدف الواحد كحملة «الحرية للجدعان» وكمحاولات التنسيق المتعددة بين المدافعين عن ضحايا الاختفاء القسرى والتعذيب التى تغيب عنها الأطر المؤسسية الجامدة. 
اليوم، ينتقل الحراك العمالى من المزاوجة بين رفع مطالب اقتصادية واجتماعية وبين النشاط باتجاه تأسيس نقابات عمالية مستقلة إلى تكثيف الاحتجاجات المرتبطة بقضايا الأجور وسياسات التعيين وضمانات العمل وبيئته الآمنة والابتعاد عن طرح أمور متعلقة بحرية التنظيم والحريات النقابية. فقد وظف نظام الحكم أدواته التشريعية والقضائية لنزع شرعية الوجود القانونى عن النقابات العمالية المستقلة، وزج بالنشطاء المتبنين للدفاع عن وجودها إلى عمليات تقاضى طويلة الحبال (أمام مجلس الدولة). لذلك، تركز المجموعات العمالية النشطة على التعبير الجماعى عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية لزملائهم ولهم، وتسعى أيضا لحماية حريات وحقوق من تتعقبهم الأجهزة الأمنية وتحيلهم السلطات إلى محاكمات عسكرية بسبب حراكهم السلمى.


اليوم، على الرغم من الأدوات المتنوعة التى يستخدمها نظام الحكم لمعاقبة المجالس المنتخبة للنقابات المهنية حين تعارض قيوده وقمعه، تواصل بعض النقابات رفض التدخلات الحكومية فى شئونها وتعمل على الانتصار للحريات النقابية والاستقلال النقابى وحماية أعضائها إزاء تغول الأجهزة الأمنية. حدث ذلك خلال العامين الماضيين من قبل نقابة الأطباء ونقابة الصحفيين، ومازال يتواصل فى النقابتين حتى بعد أن انتخب الصحفيون مجلس إدارة جديدا يقترب بعض أعضائه من نظام الحكم. ولم يخلط النقابيون من الأطباء والصحفيين بين دفاعهم عن حرياتهم واستقلالهم وبين القضايا السياسية الأوسع المتعلقة بالديمقراطية الغائبة والمظالم المتراكمة. بالاقتصار على شئونهم الداخلية وبالاكتفاء بالمطالبة بكف يد الحكومة والأمن عنهم، حركت النقابات المهنية بعض المياه الراكدة فى الفضاء العام والمجال السياسى فى مصر واستعادت الحيوية للعمل النقابى الذى كان فى واجهة مقاومة السلطوية القديمة، سلطوية ما قبل ٢٠١١.


***
لسنا بهذا الضعف، فبجانب الحراك الطلابى والشبابى والعمالى والنقابى تنشط مبادرات شعبية وطوعية للاشتباك السلمى مع نظام الحكم من خلال التداخل فى جميع مساحات المشاركة السياسية الممكنة. هنا، تبدو أهمية الأحداث الكبرى كالانتخابات الرئاسية ٢٠١٨ (وربما الانتخابات المحلية حين تنظم)، وتبدو أيضا ضرورة دفع الأصوات المعارضة للمشاركة فى الانتخابات الرئاسية وتوظيفها لإدارة معركة سياسية سلمية ضد الحكم وسلطويته الجديدة. نعم، يستحيل تصور أن تأتى انتخابات ٢٠١٨ حرة وخالية من تدخلات مؤسسات وأجهزة الدولة لإنجاح مرشح الحكم (الرئيس الحالى)، ويستحيل أيضا تصور أن يقبل الحكم تقديم الضمانات الديمقراطية اللازمة لإدارة عملية انتخابية حقيقية وشفافة. على الرغم من ذلك، تقدم المشاركة فى الانتخابات فرصة فعلية للمعارضة للخروج من الحصار المفروض عليها منذ ٢٠١٣ ولمخاطبة قطاعات شعبية لم تصل إليها خلال السنوات الماضية، تقدم لها فرصة فعلية لتنشيط بعض الكوادر واستعادة ذاكرة بعض القدرات التنظيمية والحركية التى تسبب إغلاق المجال السياسى فى انهيارها، تقدم لها فرصة فعلية لصياغة خطاب سياسى يتجاوب مع ما أصاب الفكرة الديمقراطية من عطب بعد فوضى الانتقال الديمقراطى بين ٢٠١١ و٢٠١٣ ويشتبك مع المقايضات السلطوية على نحو يفككها ويبين فسادها إن بحساب الفرضيات (لا سبيل لمكافحة الإرهاب إلا بالتخلى عن حكم القانون والحريات والحقوق) أو بحساب النتائج (سياسات الأمن أولا ستحقق الاستقرار والتعافى المجتمعى والتنمية المستدامة وستحمى الدولة).


لسنا بهذا الضعف، وإلا لما تعقب نظام الحكم مجموعات الحراك الطلابى والشبابى والعمالى والنقابى وأصوات المعارضة بعنف غير مسبوق. لسنا بهذا الضعف، وإلا لما فرض الحصار الأمنى على المجتمع المدنى وعلى القليل المتبقى من أحزاب سياسية معارضة. لسنا بهذا الضعف، وإلا لما وظفت الأدوات القانونية والقضائية لملاحقة المعارضين واستخدمت الأدوات الإعلامية لتشويههم الممنهج.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه