القضية الفلسطينية في صلب الحملة على قطر

تُشكّل "القضية الفلسطينية ودعم المقاومة"، باعتبارها حقًا طبيعيًّا لصدّ العدوان الإسرائيلي، واحدًا من الملفات التي تميّزت بها السياسة الخارجية القطرية؛ ما وضع قطر تحت ضغوط هائلة لوقف دعمها للمقاومة الفلسطينية، خصوصًا في غزة، وتحديدًا بعد الحصار الذي فُرض على القطاع عام 2007.

ولا يغيب ملف فلسطين وغزة عن التطورات المتسارعة التي بدأت بقمة الرياض في مايو الماضي بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حركة حماس "إرهابية"، وحديثه عن تجفيف منابع التمويل لكل الحركات والأحزاب التي صنّفتها واشنطن بأنها "إرهابية".

وكشفت الرسائل الإلكترونية المُسرَّبة لسفير الإمارات لدى واشنطن يوسف العتيبة عن ترتيبات سابقة بين الإمارات واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة لتشويه صورة قطر واعتبارها داعمة "للإرهاب"، والمقصود هنا استضافة قطر قيادات من حركة حماس ورموزًا من جماعة الإخوان المسلمين المصرية.

هذه الحملة الشرسة على قطر تهدف إلى الضغط عليها لتغيير سياستها تجاه القضية الفلسطينية والمقاومة في غزة، ممثلة في حركة حماس وغيرها من الفصائل المتمسّكة بخيار المقاومة؛ فقد كان للدوحة دور فاعل ومؤثر في محطات عديدة من مسار القضية الفلسطينية، ولا تزال تتمسك بهذا الدور، الذي تعتبره واجبًا إنسانيًّا وقوميًّا.

إعمارها لغزة

كان الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أول زعيم عربي يزور قطاع غزة عام 1999 منذ عام 1967، واستقبله حينها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكانت زيارته الثانية في أكتوبر/ تشرين الأول 2012 على رأس وفد قطري رفيع لتفقد آثار الحرب الإسرائيلية المدمرة؛ وقدم مساعدة مالية قدرها أربعمائة مليون دولار لتمويل مشاريع لإعادة إعمار القطاع المُحاصر.

ومؤخرًا، افتتح السفير القطري محمد العمادي (رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة) مشاريع الإعمار المُنجَزة في قطاع غزة، في مقدمتها "مدينة الشيخ حمد"، إضافة إلى مشاريع محطات توليد الكهرباء التي تبرعت بها قطر لحل مشكلة انقطاع الكهرباء المتكررة ضمن الحصار الخانق على غزة.

وعلى صعيد الدعمين السياسي والمالي لقطاع غزة، كان للدوحة موقف تاريخي، بالدعوة إلى عقد "قمة غزة الطارئة" في يناير/ كانون الثاني 2009 لدعم القطاع في مواجهة الحرب الإسرائيلية، وامتنع قادة عرب عن حضورها؛ من بينهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فيما حضرتها فصائل المقاومة الفلسطينية وألقت كلمات فيها.

وكانت كلمة أمير قطر في القمة مؤثّرة، حين أبدى أسفه لتغيّب قادة عرب عن قمة تُعنى بالقضية الفلسطينية؛  إذ قال: "لو أن جميع إخواننا معنا اليوم، حبّذا لو تدارسوا معنا على نفس الطاولة حتى لو كان لديهم رأي آخر" لمناقشة رفع العدوان عن غزة بشكل جماعي.

وأعلنت "قمة غزة" عن تأسيس صندوق "إعادة إعمار غزة"، كما أعلنت قطر إغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، ولا يزال مغلقًا منذ مطلع عام 2009.

وأولت الدوحة اهتمامًا خاصًا بدعم مدينة القدس سياسيًا وماليًا؛ عبر المشاريع التنموية والعمل الإغاثي والإنساني، إلى جانب المؤتمرات الموسّعة عن القدس؛ حيث شهدت الدوحة في فبراير/ شباط 2012 انطلاق المؤتمر الدولي للدفاع عن القدس بحضور عربي ودولي واسع، لبحث الإجراءات المتلاحقة التي يتخذها الاحتلال الإسرائيلي لتهويد المدينة وتغيير واقعها.

وشارك في المؤتمر، الذي انعقد على مدار يومين، أكثر من 350 شخصية عربية ودولية يمثلون نحو سبعين دولة، إضافة إلى خبراء وباحثين ومؤرخين وقانونيين عرب وأجانب ينتمون إلى جميع الأديان السماوية.

إنهاء الانقسام الفلسطيني

وفي الإطار السياسي، حرصت الدوحة باستمرار على إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي أعقب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006 وما تبعه من سيطرة كاملة على قطاع غزة. وتوّجت قطر هذه الجهود بتوقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل على "إعلان الدوحة" في فبراير/ شباط 2012، الذي تضمنت بنوده تسريع وتيرة المصالحة الوطنية الفلسطينية، وحل الإشكاليات القائمة بين الطرفين كافة.

تبع هذا الإعلان، الذي لم يُطبَّق على أرض الواقع، سلسلة من اللقاءات دعا إليها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وجمع فيها قيادة حركتي فتح وحماس لتطبيق بنود الاتفاق وإنهاء الانقسام؛ حرصًا على تقوية الموقف الفلسطيني في مواجهة السياسة الإسرائيلية التوسعية.

وعملًا بسياسة تنقية الأجواء العربية بما يقوي الموقف الفلسطيني ويعزز حضور فصائل المقاومة، قام أمير قطر الشيخ تميم بوساطة لإنهاء القطيعة بين حركة حماس والمملكة الأردنية الهاشمية في يناير/ كانون الثاني 2012.

واستضافت قطر قيادات من حركة حماس على أرضها بعد إبعاد الأردن لهم عام 1999، ووفرت لهم حرية الحركة والعمل السياسي. كما استضافت أسرى محررين أبعدوا عن فلسطين في إطار صفقة "وفاء الأحرار"، التي عرفت بـ"صفقة شاليط".

وكانت للدوحة على الدوام مواقف واضحة وقوية تجاه القضية الفلسطينية والقدس وغزة في المحافل الدولية، لا سيما الجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤسسات الأممية مثل اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان؛ حيث تحدثت بلسان الشعب الفلسطيني وعرّت السياسة الإسرائيلية في المناطق المُحتلة.

هذه السياسة التي التزمت بها قطر تجاه القضية الفلسطينية، وتحديدًا تجاه القدس وغزة، ساهمت بفاعلية في صمود الإنسان الفلسطيني في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والإقليمية على تيار المقاومة في غزة؛ ما بات مستهدفًا بشكل مكشوف في الأيام الماضية، ويفّسر الحملة الشرسة على دولة قطر لتغيير سياستها الخارجية.