شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

“مو ناقصنا إلا شوية كرامة”

“مو ناقصنا إلا شوية كرامة”
ما بين صرخته التي كانت في مثابة زلزال في حينها: «الله وكيلك مو ناقصنا إلا شوية كرامة» التي أطلقها في إحدى مسرحياته، وبين تقديسه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، لم يتغيّر دريد لحام أبداً. ظلّ، إن دققنا قليلاً

ما بين صرخته التي كانت في مثابة زلزال في حينها: «الله وكيلك مو ناقصنا إلا شوية كرامة» التي أطلقها في إحدى مسرحياته، وبين تقديسه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، لم يتغيّر دريد لحام أبداً. ظلّ، إن دققنا قليلاً، يخدم النظام السوري حدّ الالتصاق به والتماهي معه إلى أبعد مدى. هنا في هذه القنطرة، التي التبست على بعضهم في ما خصّ الموقف من الثورة السورية، راح «غوار الطوشي» يصغي إلى غرائزه البدائية المتمثّلة في انتسابه الطائفي، وفي مصالحه وارتباطاته العضوية بالمؤسسة الرسمية والأمنية التي لولاهما لما كان، ولانطفأ أو أضحى ممثلاً عادياً، لا سفيراً للأمم المتحدة للنوايا الحسنة، يستقيل من منصبه انصياعاً لرغبة النظام ومحور «المقاومة والممانعة» إثر «حرب تموز» على لبنان العام 2006.

وسيكون من باب الاستطراد، التذكير بالدور «التنفيسي» الذي أداه لحّام في أعماله الفنية «التحريضية»، إلى درجة انتقاد سلوك المخابرات السورية الأشد قمعاً من سواها في التاريخ المعاصر من دون أن يتعرّض له أحد، بينما كان «زملاؤه» من فنانين أو كتّاب يعفّنون في زنازين النظام وسجونه إن هم همسوا ببنت شفة، أو كتبوا سطراً ناقداً لأجهزة النظام، التي لطالما سخر منها دريد لحّام، وأوسعها «بهدلة»، ثم حينما ينهي عمله يعود إلى بيته الفسيح، بحماية أجهزة النظام نفسه ورجال مخابراته.

لذا، فإنّ في الاستهجان الذي قوبل به كلام دريد لحّام وهو يبجّل «الإمام علي خامنئي»، ما يبعث على توخّي الرجاء، ربما، بألا يسقط الرجل/ الممثل إلى مهاوي الابتذال، فيما شعبه يتعرّض لأبشع «محرقة» في التاريخ الحديث، بسلاح الإمام نفسه وفيالقه وميليشياته وأحزاب الله التي تريد أن تطهّر سورية من شعبها، ليكتمل نشيد إنشاد دريد لحام: «في روحك القداسة، في عينيك الأمل، في يديك العمل، وفي كلامك أمر يلبى»، ثم يتابع مدائحه للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية: «ازدادت قدسية ترابنا حين ارتقى بعض من رجالاتك إلى عليائها. لك الحب والتقدير والإجلال من شعب صامد وجيش عتيد. عاشت إيران، تحيا سوريا»!

ولعلّه من غير المجدي كثيراً ربط موقف دريد لحام هذا بمواقف المثقفين والفنانين والكتّاب الذين خانوا القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، وانحازوا إلى الطغيان، وسكين الديكتاتور وهو يحزّ، بلا رأفة، أعناق الآمنين، فمثل هذا السجال يبدو بلا جدوى، لا سيما مع إقرار هؤلاء الواقفين مع الجلادين بأنهم يصدرون عن مواقف وطنية، ويحمون، بفعلتهم تلك، بلادهم، ويمنعونها من التمزّق، إلى آخر هذه التبريرات التي لا تنتهي، وربما لا تستقيم، أو تستجيب لمنطق أو عقل.

وقد يقول قائل، من بين أولئك الذين اصطلح على تسميتهم بـ «الشبيحة»، إنه مضطر للدفاع عن النظام في وجه «الجماعات الإرهابية»، وغالبيتهم تحتمي بهذه الذريعة «المتهافتة»، لكن أن ينبري من يمجّد «الاحتلال» ويقرّ بأنّ تراب بلاده ازداد قدسية، لأنّ دماً إيرانياً خضّبه، وأنّ أمر المرشد الأعلى لا يَحتمل إلا أن يُلبّى، فذلك مما يضرم بالوعي نيران الجهالة والبؤس ويخضّبه بالهلاك، لا سيما أن سلاح «الذين زادوا الأرض قدسية وهم يرتقون إلى العلياء» قتل من السوريين الأبرياء، ما جعل الدم يسيل في غالبية شوارع سورية. فأي شماتة هذه، وكيف طاوع دريد لحام لسانه وهو يهذر بهذه الكلمات التي تستبطن دعوة إلى مزيد من القتل والإفناء والتطهير المذهبي، وهو الذي ارتضى أن يقدّم بلاده على دولة الولي الفقيه وهو يهتف «عاشت إيران، عاشت سورية»؟.

ولو شئنا أن نصف موقف لحام الذي أدى في أحد أعماله شخصية «الدوغري»، بأنها تعبير عن «متلازمة ستوكهولم»، فإنّ المقاربة لا تصحّ كثيراً، فغالبية الضحايا الذين يتعاطفون مع جلاديهم، يحملون ذكريات عنيفة نتيجة الاحتجاز، أو التعرّض للعنف المانع للحرية، وهذا ما لم يحدث مع «الدوغري» الذي ظلّ يتنعّم بخيرات النظام، فيما كانت سورية برمتها تحترق.

بيْد أن المحدّق في حيثيات هذه المتلازمة يعثر على ما يمكن تسميته قناعة الشخص بعجزه عن الهرب من الوضع الذي هو فيه، فيضطر حينذاك إلى التصرف على نحو غير عقلاني، بحيث لا يستطيع أن يرى الجريمة إلا من منظور المجرم أو المعتدي، ولعل هذا أكثر التعليلات مقبولية كي يوافق المرء بانتساب، من يرون في عيون المحتل «الأمل»، إلى فضاء الإنسانية!



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023