شبكة رصد الإخبارية

الانتقال للنظام الرئاسي بتركيا.. بين مبررات المؤيدين ومخاوف المعارضين

الانتقال للنظام الرئاسي بتركيا.. بين مبررات المؤيدين ومخاوف المعارضين
مع موافقة البرلمان التركي على المادة الأولى من حزمة التعديلات الدستورية التي اقترحها حزب العدالة والتنمية والحركة القومية تكون تركيا دخلت عمليا في مرحلة إقرار هذه التعديلات التي ستتحول بموجبها البلاد إلى النظام الرئاسي.

مع موافقة البرلمان التركي على المادة الأولى من حزمة التعديلات الدستورية التي اقترحها حزب العدالة والتنمية والحركة القومية؛ تكون تركيا دخلت عمليا في مرحلة إقرار هذه التعديلات التي ستتحول بموجبها البلاد إلى النظام الرئاسي.

ووافق البرلمان التركي اليوم بأغلبية 347 صوتا على المادة الأولى من حزمة التعديلات التي يتواصل بشأنها جدل لن يقدر له أن ينتهي قبل أن يتبين مصيرها النهائي. 

وتشمل حزمة التعديلات الدستورية تحويل البلاد من النظام البرلماني للرئاسي، وتحتاج كل مادة للحصول على 330 صوتا ليتم عرضها على الاستفتاء الشعبي. 

وتنقسم القوى والأحزاب التركية الممثلة في البرلمان بشأن تعديل الدستور إلى جبهتين، يمثل حزب العدالة والتنمية الحاكم بــ317 مقعدا وحزب الحركة القومية بأربعين مقعدا الجبهة الداعمة للتعديل منها، فيما يعارضه حزب الشعب الجمهوري الذي يمثله 133 نائبا برلمانيا.

ونشرت الصحف التركية البنود الـ18 التي يشملها التعديل الدستوري والتي تركز الكثير منها على التحول فعليا إلى النظام الرئاسي، إضافة إلى بنود تحد من صلاحيات المؤسسة الأمنية وتضع أذرع الجيش تحت السيادة المدنية.

قوة الرئاسة.. المعضلة الخلافية

وتمثل قوة الرئاسة في الدستور الجديد المقترح أهم نقاط الخلاف بين مؤيدي التعديلات ومناهضيها، فبموجبها يصبح منصب رئيس الجمهورية أعلى منصب في الدولة، ويلغى منصب رئيس الحكومة، فيما يُمنح رئيس الجمهورية الحق في تشكيل مجلس الوزراء أو تعديله.

وتمنح التعديلات الرئيس صلاحيات إدارية كإعلان حالة الطوارئ، وأخرى تتعلق بتعيين نوابه ومستشاريه والمسؤولين والوزراء.

في تفاصيل التعديلات
ووفقا للتعديلات، سيحظى رئيس الجمهورية بحصانة عالية، إذ تتطلب إحالته للتحقيق موافقة 60% من النواب، فيما تقتضي إحالته إلى المحكمة العليا موافقة ثلثي النواب.

في الجانب القضائي، تقضي التعديلات بتوزيع صلاحية تعيين مجلس القضاء الأعلى المكون من 12 عضوا مناصفة بين رئيس الجمهورية والبرلمان.

وسيحتفظ البرلمان وفق التعديلات الجديدة بصلاحايته في سن القوانين، مع منح بعض الاستثناءات لرئيس الجمهورية، مثل إعداد الموازنة العامة لعرضها على البرلمان.

وتقيد التعديلات الدستورية القضاء العسكري، إذ ستحرمه من عقد المحاكم التأديبية للجنود الذين يرتكبون المخالفات إلا في ظروف الحرب، وستنهي عضوية هذا القضاء في المحكمة العليا، وستدخل قوات الدرك “الجندرما” تحت سلطة مجلس الأمن القومي.

وتنقسم القوى والأحزاب التركية الممثلة في البرلمان بشأن تعديل الدستور إلى جبهتين، يمثل حزب العدالة والتنمية الحاكم بــ317 مقعدا وحزب الحركة القومية بأربعين مقعدا الجبهة الداعمة للتعديل منها، فيما يعارضه حزب الشعب الجمهوري الذي يمثله 133 نائبا برلمانيا.

ولم يكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أول من طرح قضية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي في تركيا، فقد سبقه إلى ذلك كل من الرئيسين تورغوت أوزال وسليمان ديميريل، لكن يمكن القول إن أردوغان هو الوحيد الذي بذل خطوات فعلية في هذا المجال عندما أمر قبل سنتين بتشكيل لجنة برلمانية مهمتها إعداد دستور جديد يلحظ الانتقال إلى النظام الرئاسي. 

مبررات المؤيدين

ويبرر أصحاب الدعوة للانتقال إلى النظام الرئاسي موقفهم بمجموعة من الأسباب الضرورية كما يرون، ولعل أهمها: 

1- أن النظام السياسي الحالي والموصوف بالبرلماني يعاني خللا في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، أي الحكومة والبرلمان، حيث يشكو الثاني من سيطرة الأولى، وعليه فإن الانتقال إلى النظام الرئاسي سيحل هذا الخلل من جهة، ومن جهة ثانية سيجعل النظام السياسي أكثر استقرارا.

2- أن الدور القوي للنظام الرئاسي ينبع من طريقة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية بالبلاد، حيث للمرة الأولى جرى الاقتراع بشكل مباشر من الشعب خلافا للمرات السابقة التي كانت تتم من داخل البرلمان، وعليه يرى أنصار النظام الرئاسي أن الرئيس بات يمثل الشعب الذي طالما فاز بأصواته.

3- أن تركيا -التي حققت خلال العقد الماضي نجاحات كبيرة، ولا سيما في المجال الاقتصادي وشهدت تغيرات سياسية داخلية عميقة واكتسبت نفوذا إقليميا ودوليا- باتت بحاجة إلى دستور جديد يعبر عن هذا الدور ويعكس هذا الصعود في النفوذ والمكانة، وهو ما يعني أن يقوم الرئيس بإدارة الملفات الأساسية، ولا سيما ملف السياسة الخارجية. 

4- أن الحديث عن ضرورة الانتقال إلى النظام الرئاسي لا يمكن تصوره بعيدا عن شخصية أردوغان الذي يرى أن النظام الرئاسي سيخلص السلطات التنفيذية والتشريعية من البيروقراطية الموجودة والإجراءات الروتينية، وسيعطي قوة دفع كبيرة للسياستين الداخلية والخارجية في تطلعهما نحو أهدافهما المرسومة عام 2023 من خلال إنجاز سلسلة ضخمة من المشاريع الاقتصادية والقيام بإصلاحات سياسية حقيقية وحل القضايا المزمنة ولا سيما القضية الكردية، على أمل أن يضع كل ما سبق تركيا ضمن قائمة أفضل عشرة اقتصادات في العالم. 
 
مخاوف المعارضين

مقابل المبررات -التي يقدمها المطالبون بالانتقال إلى النظام الرئاسي- ثمة مخاوف وأسباب لدى المعارضة الرافضة هذا الانتقال، ولعل من أهم هذه المخاوف والأسباب: 

1-الخوف من أن يكون الانتقال إلى النظام الرئاسي مدخلا لحكم شمولي دكتاتوري، إذ ترى المعارضة أن الرئيس أردوغان سيستغل هذا الانتقال ليصبح حاكما مطلقا بما يشكل خطرا على الديمقراطية والتعددية في البلاد، فحسب النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض أنور أويمن فإن لدى أردوغان مشكلة كبيرة مع التعددية والعلمانية، ويسعى جاهدا لإرساء الدكتاتورية خطوة تلو خطوة، فيما يرى حزب الحركة القومية بزعامة دولت باغجلي أن النظام البرلماني هو الأنسب لتركيا. 

وفي العمق يمكن القول إن المعارضة الضعيفة والمنقسمة والمشتتة تخشى من أن يؤدي النظام الرئاسي ليس إلى الدكتاتورية فحسب بل إلى القضاء على بقايا نفوذها السياسي والبرلماني. 

2- بعيدا عن المخاوف من الدكتاتورية ثمة رؤية تقول إن تركيا غير جاهزة للانتقال إلى النظام الرئاسي، ويرى أصحاب هذه الرؤية أن الاستشهاد بالنظام الرئاسي في الولايات المتحدة كمثال للاقتداء به فيه ظلم كبير، فهناك مسار تاريخي لم يتحقق بعد، وهناك قضايا جوهرية عالقة في طبيعة الحكم بتركيا.

3-هناك رؤية تخشى من أن يؤدي الانتقال إلى النظام الرئاسي إلى تحرك الجيش، وأصحاب هذه الرؤية يعتقدون أنه رغم نجاح حكومة العدالة والتنمية في الحد من دور المؤسسة العسكرية التركية وتدخلها في الحياة السياسية والعامة فإن الجيش ما زال يحتفظ بالعديد من عناصر قوته ويتحين الفرصة للتحرك، وإن الانتقال إلى النظام الرئاسي الذي سيتوج أردوغان بصلاحيات مطلقة قد يشكل مدخلا لهذا التحرك باسم الحفاظ على الديمقراطية والمبادئ العلمانية للجمهورية من رئيس يسعى إلى استعادة العثمانية ويعمل لأسلمة الدولة والمجتمع.

الانتقال الفعلي للنظام الرئاسي

من جانبه رأى الكاتب السوري خورشيد دلي، والمهتم بالشأن التركي، في مقال له، أنه بغض النظر عن مبررات الداعين إلى النظام الرئاسي والرافضين له معا ثمة وقائع في الحياة السياسية التركية باتت تتحكم بمسار العمل السياسي ورسم التوجهات المستقبلية للبلاد، ويبدو أن قواعد اللعبة الديمقراطية التي تنطلق من صناديق الاقتراع هي التي تحدد مسار المشهد السياسي. 

وأضاف “دلي”: “وعليه، يمكن فهم تركيز أردوغان على صناديق الاقتراع في كل الانتخابات التي جرت خلال العقد الماضي إلى درجة أنه يقود الحملات الانتخابية بنفسه بما في ذلك المحلية”. 

واختتم “دلي” تصريحاته بقوله: “ما يمكن قوله في الختام إن مسار الانتقال إلى النظام الرئاسي بدأ فعليا مع وجود أردوغان في قصر الرئاسة، وهو مسار يدعو إلى الكثير من التأمل لما ستكون عليه تركيا في المرحلة المقبلة، إذ إن الأمر لا يتعلق بالصلاحيات الدستورية لرئيس تركيا فحسب، بل بالخيارات السياسية لدولة إقليمية مهمة في منطقة تشهد تطورات عاصفة”.