أرطغرل وغزة

أتابع مسلسل أرطغرل، وقبيلته الكايا التي عانت كثيرا ودفعت ثمنا عظيما في طريق بحثها عن وطن يليق بها ، وبينما هي كذلك تأتيها المصائب عبر المكر والمكائد من كل جانب حتى من داخل الخيمة التي تحكم القبيلة الرحالة.

في الأثناء ينظر البطل بعيدا من واقع الظلم والقهر الذي سكن قبيلته، ليضع نصب عينيه هدف "سيفي نور للمظلومين، نار على الظالمين حيث كانوا"..

وتبدأ رحلة الفتح والغنيمة، فيما يجد الصد والمنع من أخوته وأصدقائه، وأقرب المقربين، بعضهم خوفا وبعضهم حرصا والبعض الآخر حسدا من أنفسهم وحقدا قادهم إلى التحالف مع الأعداء لعرقلة تقدم الفاتح وكبح جماح طموحه وتوسعاته.

هاجر وارتحل بعيدا والمكائد تلاحقه، يكابدها تارة بالسيف وتارة أخرى بالحكمة، مستعينا بالله والمخلصين من حولة قادة وجندا..

في كل طريق يخطوه، يجد الخونة أوله وأوسطه ونهايته، من السيد والمحارب والشيخ وحتى الأمير المسلم الجشع التابع لدولة السلطان، يعرقلون مسيرته ويؤخرونه إلى الوراء ، اللافت أن هؤلاء الخونة يستغلون حاجة الناس وضعفهم وقله حيلتهم، فيسوقون أنفسهم عليهم من باب الحرص على القبيلة ومصلحتها التي أوقعها البطل في شر أعماله.

يمضي أرطغرل وقتا ويبذل جهدا في تتبع الخونة وكشف آلاعيبهم، أضعاف ما يقضيه في التقدم والفتح والوصول إلى أهدافه التي من أهمها مناهضة الظالمين في كل مكان تصله أقدامه، متسلحا بسيفه والقلة المخلصة من حوله، فما أن يقطع رؤوس الفتنة والفساد ويطهر ظهره، يمضي فاتحا في طريق الحق.

في كل حلقة من حلقات هذا المسلسل التركي الأسطورة، وما فيها من فتن ومكائد، أستحضر غزة التي أسكن فيها، يحاصرها الظالمون عربا وعجما، من كل جانب ، العدو من أمامها والبحر من خلفها، غزة التي يحميها السيف والبندقية، فيما العدو وأحلافه في الداخل والخارج يكيدون كيدا..

غزة التي تبحث عن وطن ضائع ، مسلوب وقد دفعت ثمنا باهظا في سبيل ذلك وهي تقف في خط الدفاع الأول ليس عن فلسطين وحسب بل عن الأمة كلها..

استحضر المنافقين ودورهم في تثبيط الناس وتحريضهم على حارسها الأمين الذي فطن جيدا لكل ما يحاك، وأستحضر المال الفاسد الذي دفع لشراء النفوس المريضة والأصوات الناعقة الناهقة لتبقى في صف الظالم، وترجح كفة الفاسد، وتعلي من شأنه، فيما تخون الأمين وتشوه كل جميل لطمع وحسد من عند أنفسهم..

المسلسل الذي يحمل رسالة سامية، فيه من العبر والدروس والحكم ما لا حصر لها، منها أن السيف لا يكون منفلتا، بل محكوم بالحق والعدالة وإلا طاش وكان فتنة، ومنها أن الطمع والجشع والحسد هي أبواب الشيطان التي يدخل منها الأعداء؛ لنفث سموم الفرقة والفتنة بين أبناء الجسد الواحد.

غير أن هذه الأمراض التي تفتك بالجسد يمكن علاجها مع الوقت، طالما أنها لم تصل الرأس، أي القائد والسيد الذي يمثل القبيلة أو الدولة، لا تغريه سلطة أو جاه، بل يزيده الفتح تواضعا وشكرا لله، فالراعي إذ فسد تفسد الرعية، لهذا فمن أهم محصنات القائد أو المسؤول هي بطانة الخير التي تذكره بالله، وتعيده إلى طريق الحق والجادة إن حاد عنه ولو قليلا.

لا ينفصل البطل عن قبيلته، في السراء حاضرا وفي الضراء لا يغيب أبدا، في الأفراح والأتراح معهم وبينهم، يصبرهم ، يذكرهم بمن سبقوهم بالإيمان والتضحية، فلا يكون منهم إلا الدعم والدعاء، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، يفتح الله عليهم من بركات الأرض والسماء، فتذوب كل آلامهم وجراحاتهم في بحر الخيرات كأنها لم تكن.

في طريق أرطغرل نحو الحرية والأمن ونصرة المظلومين في كل مكان، لا يجد إلا القلة المؤمنة المخلصة المثبتة لها، فلا تضعف له إرادة ، لا يكل ولا يمل، يستعين بالله وبهم، فيصل إلى مبتغاه رغم قلة الأصدقاء وكثرة الأعداء، الأهم في ابقاء السيف مضاء وإلا صدأ، وذهبت ريحهم، وتمكن منهم البغي والكيد، يمضي بخطى ثابتة ونظرة ثاقبة، لا يلتفت لمن ينظرون بين أقدامهم، ولا يفكرون إلا في جيوبهم وبطونهم وقلوبهم مسودة، وكذلك تمضي غزة بجهاد المجاهدين وصبر الصابرين المخلصين.





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه