الثورة القادمة ستكون من نصيب الذكاء الاصطناعي

تعد التكنولوجيا واحدًا من أهم العوامل التي أثّرت على عديد من التغييرات التي حدثت خلال الفترة الماضية، من ثورات بدأت من خلال الإنترنت، إلى تواصل من قارات مختلفة؛ كانت "التكنولوجيا" السمة المشتركة بينهما. ولكن، ماذا إن استطعتَ الحديث مع شخص من جنسية مختلفة بلغته وكأنك من نفس دولته؟

نشر موقع "الجزيرة" مقالًا للكاتب نبيل خويطر تحدث فيه عن صعود الذكاء الاصطناعي والثورة المحتملة ونتائجها المتوقعة؛ حيث قال إنه حتى مع محاولة علماء الاجتماع والسياسة فهم تأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على المجتمعات حول العالم فإن الإنسانية على وشك أن تشهد ثورة تواصل جديدة في خلال الفترة من خمس سنوات إلى عشر، وهذه الثورة ستتخطى في تأثيرها كل ثورات الاتصالات؛ باستثناء أول ثورة اتصالات.

هذه الثورة، التي يمكنها أن تغير في مسار التاريخ الإنساني في العقود القادمة، هي تمكين صعود الذكاء الاصطناعي؛ ومنها الترجمة الحية للمحادثات بين أشخاص من أماكن مختلفة. ولا يقصد بالترجمة اللغوية منها فقط، ولكن أيضًا ترجمة المعاني الخفية في الرموز الثقافية.

ولكن، ماذا سيعني ذلك للمجتمعات البيروقراطية التي تطورت على مدار 300 سنة في مناخ سمح بالتقسيم السياسي للمنطمات التطوعية أو المفروضة ويوجد فيها ملايين الأفراد إلى وحدات بناء على الاختلافات الثقافية واللغوية؟ وماذا سيعني للهويات العرقية والدينية عندما يصبح الخوف العميق لشخص أجنبي وقلقه مفهومين؟

وهل سيمكن حينها خلق بيروقراطية للدول الوطنية من خلال تدريب مجموعة من الأفراد بشعور وطني والتزام للغة واحدة أم لثقافة جماعية؟ وماذا سيعني ذلك للمهاجرين حول العالم؟

إذا فهم شخص ألباني معظم عبارات ألمانيا الغامضة ورد عليها بالألمانية، ماذا سيمنعه من مغادرة عمل يدفع له معدل أجور يصل إلى 3200 دولار في الوقت الذين يمكنه السفر إلى ألمانيا والتقديم لوظيفة يمكنه من خلالها الحصول على 32 ألف دولار؟

وبنفس الفكر، هل سيبقى الإفريقيون والآسيويون والأشخاص من جنوب أميركا في بلادهم ويعانون من الفقر بسبب خوفهم من الشعور بالغربة في بلاد أخرى؟ هل سيسافرون لإيجاد عمل في قارة أخرى في ظل عدم وجود حواجز لغوية؟

ومن المؤكد أن إلغاء حواجز اللغة والثقافة سيتسبب في هجرة كبرى للأشخاص الذين يسعون إلى حياة أفضل في مناطق أخرى.

وسيغمر الحكومات ملايين من المهاجرين، الذين سيخسرون خلال عقود الإحساس بالانتماء الاجتماعي والتماسك.

وعلى الأقل، يأمل البعض في السلام بعد ذلك، ويمكن أن نقول إن الغالبية العظمى من القتلى خلال التاريخ قتلوا على أيدي أشخاص من نفس ديانتهم ويتحدثون بنفس لغتهم.

ومثال على ذلك حقيقة أن مقتل 750 ألف شخص في الحرب الأهلية الأميركية من 1861 إلى 1865 يفوق عدد الوفيات في كل الحروب التي خاضتها أميركا، منها الحروب العالمية.

تحتاج الحكومات إلى بدء التفكير في شأن هذه الأسئلة والاستعداد إلى تغييرات سياسات الهوية، عندما يكون حافز الأشخاص للتعاون أكثر مع غيرهم ممكن أن يتحدثوا نفس اللغة، فلم يعد عنصر مسيطرًا في التمكين السياسي للأفراد.

تنبأ كارل ماركس بذلك، لكن و"ينين" و"تروتسكي" قللا من أهمية الهويات اللغوية والثقافية في منع عمال المصانع الروسيين والألمان من التماهي مع بعضهم البعض ضد رأسمالية دولهم بسبب إحساسهم المشترك بالانتماء إلى دولة.

وأخذ الأمر تطبيقًا عمليًا قاسيًا من ستالين لتجاهل الإخوة بين البشر الموجودة ضمنيًا في التفكير الماركسي واستبدالها بأيديولوجيات هجينة، والتي كانت سلمًا فوق الاشتراكية الوطنية.

هذه الاستراتيجيات الهجينة فشلت فشلًا ذريعًا، ولكن التغير القادم من خلال الذكاء الاصطناعي في معادلة سياسة الهوية حول العالم يتخطى أي شيء كان يمكن أن يتصوره ستالين أو ماو أو ماركس.

 

المصدر