الجارديان: هكذا يمكننا هزيمة "الإرهاب" دون عنف

نشر موقع "الجارديان" مقالًا للكاتب نيكولاس سيرل اعتبر فيه أن سبب رؤية الجميع للإرهابيين كشياطين هو تزايد الخطاب الشعبوي والأحداث العالمية، على الرغم من كونهم مجرد أشخاص، ويتسرع البعض في التخطيط للحروب وشنها؛ وهو ما يؤدي إلى تزايد وتيرة الإرهاب، وأعاد ترامب إحياء هذه النغمة، ربما جاء بسبب وجود ستيف بانون الذي يريد مواجهات عالمية.

وإلى نص مقاله كما نشر في صحيفة الجارديان:

لعدة سنوات، كانت هناك مبادرات مضادة للإرهاب، بعضها عسكري والبعض استراتيجي، ولا يعد العدوان طريقة للتأمين أو للقرارات الدائمة؛ حيث يجب أن نفهم "الإرهابي" من ناحية إنسانية إذا كنا نريد إقناعه باتجاه مختلف، ولا يعد ذلك دعوة إلى التهدئة.

تخيّل للحظة أنك إرهابي، وكمعظم الأشخاص لديك جانبًا هشًا مع بعض الشكوك، ومحاولة منك للتشبث بأي قشة تقدم لك الهدف والأمل والانتماء. وتم تعليمك -سواء كنت كرديًا أو أيرلنديًا شماليًا أو سلفيًا- أن شعبك تعرض إلى الظلم والقمع ولا زال مستمرًا، وواجهك أحدهم يهددك بعائلتك وبدينك وثقافتك؛ وهو ما يعطي حافزًا قويًا للمقاومة.

أمامك الحياة بأكملها، ولكن أعطاك الإرهاب طريقًا اعتبرت أن له معنى أكثر من امتثالك لأجور منخفضة أو حياة فقيرة. سيكون عليك حينها مقابلة هذه الطلبات المتطرفة، والقيام بتضحيات ضخمة للوصول للكفاءة. وعند استعدادك لن يمكنك التصديق أنك أنهيت تدريبك باختيار حر منك؛ حيث استطعت النجاح وسط المخاطر.

ثم تقتل وتشوه وتعيث فسادًا، وتفلت بفعلتك، واستطعت اكتساب إعجاب أصدقائك، ووضع علمك على الأرض بقوة، وتطوير مهاراتك، وتحظى الآن باحترام مجتمعك. وأصبحت قوة لا يستهان بها وتقنع نفسك أنك تتقدم لقضية هامة، وتصبح الغاية تبرر الوسيلة. ربما تمضي بعض الوقت في السجن؛ ولكن الوضع يستحق هذا الثمن. ماذا يكون أي إحساس مقارنة بالتغلب على الظلم؟

في الثلاثينيات، ربما تشعر بخيبة الأمل؛ حيث توقعت أنك ستصبح في موقع قيادة في هذا السن، ولكن هذا لم يحدث. وتختلف مع رؤسائك بسبب الأساليب. ويقوم الأصغر منك بإسالة الدماء وتزوير سمعة على حسابك، وربما تجد ردود أفعالك أقل ووضعك الجسدي أقل قليلًا، ويأخذ الجيل القادم وضعك بفهمهم للتكنولوجيا.

لم تعد الحياة كما كانت، وأصبحت هناك شكوك بعد أن كان يقينًا كاملًا. وتفكر كيف ستقوم بإعالة أطفالك مع عدم وجود منزل، ودخل قليل. كيف ستحقق التحول من هذه الحياة إلى حياة أكثر ثباتًا وبدأت تشتهي لها؟

وفي الوقت ذاته، لا يوجد ضوء في نهاية النفق الأيديولوجي، ولا ترى أي تحرك، وتتعلق بخيوط رفيعة من الإيمان؛ والشيء الوحيد الذي يمكنه منحك دفعات آخرى هو عدم إنسانية أعدائك.

وفي الأربعينيات يصبح الأمر واضحًا. على الرغم من قدراتك، لا تلقى التقدير الذي تستحقه، وتصبح خارج دائرة الأشخاص المهمين؛ حيث أخذ مكانتك الشباب، وبدأت تحمل بداخلك الضغائن خلال سنوات ضد عدد من زملائك.

وتبدأ منظمتك في السعي نحو الاتجاه الخاطئ، على الرغم من اعتراضك. ويبدأ إحساسك بعدم أهميتك، وخيانة مشرفيك لك هي مسألة وقت فقط. لم يصل بك القتال إلى أي هدف، والطريقة التي تم إقناعك بها بالانضمام بأن العنف هو الحل الوحيد يبدو الآن سخيفًا. وتصبح حياتك في خطر الآن؛ حيث وقعت في شِرك من عملك الخاص، هذه اللحظة التي تنتظرها المخابرات، وسيعرضون عليك ما تراه المخرج الوحيد: حياة جديدة مع أموال كثيرة للهرب وإعطاء أطفالك الحياة التي يستحقونها.

وحينها يجب أن تتعلم المخابرات التعرف عليك كإنسان بحاجات عاطفية، ويحاولون بناء علاقة معك. وحتى في حالات ضعفك، فإن خطابات المسؤولين عن خطورة الإرهابيين بشن حروب مع ضعفك سيكون له تأثير مضاد لإقناعك بالاستسلام.

في المعركة ضد الإرهاب، سنجد أن لهجة حديث إدارة ترامب تزيد الوضع سوءًا؛ فالأفضل أن نستكشف ونشعر ماذا يكون إحساس إجبار شاب على التخلي عن حياته من أجل هذا. ما الذي يدفع إلى مثل هذا اليأس والكره؟ حتى الآن، وحتى نتخلى عن هذا الخطاب، لن نستطيع اكتشاف السبب.

يركز البعد الإنساني للإرهاب على الأفراد. ويعمل ذلك أيضًا على مستوى الاستراتيجيات. وبالطبع فإنه من أجل مواجهة الإرهاب يجب الفهم الكامل للصورة الكبرى والرد بناء عليه. ستكون التحولات السياسية هامة في تغيير شكل السياسة. أي معلومات عن المنظمات الإرهابية والنوايا ستكون هامة لوقف هجمات إرهابية.

كلما شرعنا صراحة في تدمير الإرهاب يأتي الوضع بنتائج معاكسة؛ حيث نحتاج إلى الابتعاد عن الخطاب الفارغ والسيئ وإعادة تقييم العقول والتفاهم البشري.

المصدر